تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
حين يراد ذبحها ، أو بيعها ، أو التصرف في أمورها ، حرم ذلك العبد سمات الإنسان الذي يملك القدرة على التفكير ، وإبداء الرأي ، والتصرف في ملكه . هذه هي صورة ذلك الكافر الذي نحت صنمه ، وأخذ يسجد ويركع له ، وهو من صنع يده ، وقد أخضع نفسه وتصرفه لهذا الضعيف ، يستشيره في أموره ، ولا يصدر رأيا ، ولا يعزم على أمر إلا بالرجوع إليه . هل يستوى هذا بمن رزقناه منا رزقا حسنا : صورة أخرى تختلف عن الأولى جديرة بالاحترام والتقدير ، صورة السيد المالك لأمره ، المتصرف في أمر نفسه وأمر غيره ، الحرّ الذي يفعل ما يشاء ، وهو اللّه سبحانه وتعالى خالق الموجودات ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وكل مخلوقاته له عبيد . هل يستوى العبد بالسيد ؟ وقيل : هو مثل مضروب للوثن ، والحق تبارك وتعالى ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
[ النحل : 75 ] : إيقاظ للنفس الإنسانية الغافلة كي تثوب إلى رشدها ، وترجع إلى طبيعتها الجديرة بها ، الطبيعة المفكرة العاقلة التي تعمر الكون ، وتصل في نهاية المطاف إلى أن تكون في زمرة أولئك الذين يعلمون الحقائق ، ويؤمنون باللّه الواحد ، ويحمدون اللّه على تلك النتائج التي وصلت بهم إلى العقيدة الصحيحة ، والإيمان القوى ، والمعرفة بحقيقة دورهم في عمارة الكون والاستخلاف في الأرض . 4 - قال اللّه تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ النحل : 76 ] . هذا المثل يكمل الصورة السابقة ، ويؤكد بما يحويه من مضمون تلك الحقيقة الكبرى التي ترمى إليها الآيات ، حقيقة الألوهية ، والابتعاد عن الشرك ، فإذا كان المثل السابق تكلم عن العبد العاجز الذليل الذي لا يملك حريته ، ولا يتصرف بإرادته ، وإنما هو خاضع لغيره في كل تصرفاته ، فهنا أيضا رجل لا يستطيع أن ينطق ، حرم نعمة الكلام ، فهو عاجز عن التعبير عن حاجة نفسه ، وعن إرادته ، عجزا حقيقيا لنقص في أدوات الكلام ، أو عجزا معنويا لحرمانه من كمال العقل والتفكير ، وبذلك حرم من سمة الإنسان الذي له إرادة ، وحركة ، وقدرة ، وعمل ، فهو مقهور ، ويحتاج إلى من يتحكم فيه ،
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 197 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي