تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الصالحة التي تدعوهم إلى الإيمان باللّه الواحد القهار ، وتدعوهم إلى تطهير أنفسهم من قبائح الحياة والرذائل المتفشية فيهم ، فأصابهم اللّه جزاء أعمالهم وظلمهم لأنفسهم بتلك العقوبات التي تنوعت بإرسال الحاصب من السماء ، والرجفة التي تهلك ، والخسف ، والإغراق . ألوان من العذاب تتناسب مع كفرهم باللّه ، وظلمهم لأنفسهم ، واعتمادهم على أفكار ضالة ، وإيمانهم بعبادات باطلة ، فكان الاستحقاق من جنس العمل ، ولا يظلم ربك أحدا ، وكأن هذا إشارة إلى عقوبات مماثلة تلحق بمن يتشابه مع السابقين في مواقفهم ، ولن يكون المصير مختلفا ، فالنتائج واحدة ما دامت الأعمال واحدة ، وقد قال اللّه في هذه الآيات :
فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ العنكبوت : 40 ] . في ضوء هذا التمهيد ، جاء المثل ليبين حقيقة أولئك القوم الكافرين الذين أرسل إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وما وصلوا إليه من فهم سقيم ، فالمشرك الذي يعبد الأصنام ويعتقد في نفعها وضررها ، وألغى بذلك تفكيره بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد اللّه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي بيده النفع والضرر ، والإحياء والإماتة ، يشبهان في حاليهما بحال تلك العنكبوت التي لجأت إلى نسجها الضعيف الواهي تلتمس فيه نجاة ، وتتخذ منه حماية لها ولحياتها ، وهو لا يدفع عنها شيئا من حر أو برد ، بالقياس إلى من بنى بيتا حصينا اعتمد في إقامته على كل ما يثبت دعائمه . وهكذا تتضح الصورة ، ففرق بين بيت وبيت ، وفرق بين عبادة وعبادة ، عبادة قائمة على شئ واه ضعيف ، وعبادة قائمة على أساس سليم من الاعتقاد ، والفكر ، والاقتناع ، ولذلك جاء التأكيد بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ العنكبوت : 42 ] . فالإنسان الذي له مسكة من عقل ، جدير به أن يستند إلى حقيقة ودعامة ثابتة تقيه شر تقلبات الحياة ، وما تأتى به من أرزاء ، تلك الدعامة التي تعلى من شأن الإنسان وترفع من مكانته ، فلا يذل لمخلوق ، ولا يحرم نفسه من مكانة أعزه اللّه بها ، وهي خلافة اللّه في الأرض ، يعمرها بالفكر والعقل ، والإرادة ، والحرية ، والتحكم في شهوات النفس وغرائزها .