تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
« إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقَاً فِى التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ » . وهذه التّجارة المربحة بأركانها الأربعة ووثائقها المضمونة ، من أهم التّجارات التي يمكن أن يقوم بها الإنسان في طول عمره ولهذا يبارك عزّوجلّ للمؤمنين بصورة مباشرة هذه المعاملة المربحة حيث يقول : « فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » . نعم لقد كانت هذه الدّواعي هي السبب في وصول معنويات المقاتلين المسلمين إلى أعلى مستوياتها الممكنة ، فمع قلة عَدَدهم وعدّتهم استطاعوا أنّ يتغلبوا على عدوهم في شرق العالم وغربه . وفي الآية الثّامنة يخاطب المؤمنين مرّةً أُخرى ويأمرهم بالصبر والمثابرة والاستعداد لصدّ هجمات الأعداء ، يقول عزّوجلّ : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ورَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » . ففي هذه الآية أربعة أوامر مهمّة تضمن عزّة المؤمنين وانتصارهم : الأوّل ، الأمر بالصّبر والصّمود أمام الأحداث المختلفة وهوى النّفس والشهوات ، فيقول : إصبروا وهو في الواقع أساس كل انتصار . ثُمّ يأمرهم بعد ذلك بالمصابرة ، وهي من باب مفاعلة بمعنى الصّبر والاستقامة في مقابل صبر واستقامة العدو ، وبتعبير آخر فإنّ مفهومها هو إنّه مهما كانت المشاكل كثيرة وصعبة فإنّ صبركم واستقامتكم أيها المؤمنون لابدّ وأنْ يكون أكبر ، وكلما زاد العدو من هجومه ، عليكم أنْ تزيدوا من استقامتكم وصمودكم حتى تغلبوا العدو ( وصابروا ) . وفي الأمر الثّالث يأمرهم بالمرابطة ويقول : « ورَابِطُوا » ، وهذه الجملة مأخوذة من مادة « رباط » وهي بالأصل بمعنى ربط شيء في مكان ما ( كربط الفرس في محلٍ معين ) وهي
نفحات القرآن — صفحة 273 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي