تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فالإسلام يمنع القاضي حتى من قبول الهدية ( بطبيعة الحال الهدايا التي تقدم له باعتبار أنّه في مقام القضاء ، سواء قبل الحكومة والقضاء أم بعده ) وقصّة الأشعث بن قيس معروفة ، حيث جاء ليلًا بهدية إلى دار الإمام عليّ عليه السلام وهي طبق من الحلوى اللذيذة ، فقال له الإمام عليّ عليه السلام ما هذا ؟ فقال : هدية جئت بها إليك ! فغضب الإمام عليه السلام وصاح به : « هَبَلَتْكَ الْهَبُول أَعَنْ دِيْنِ اللَّهِ أَتَيْتَني لِتَخْدَعَني » ؟ ! أي تريد أن تعطيني الرشوة باسم الهدية « 1 » . والملفت للنظر هو أنّ الإسلام يلعن الراشي والمرتشي والواسطة بينهما ، وقد ورد في حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : « لَعَنَ اللَّه الرّاشِي والْمُرْتَشي وَالرّائشَ الَّذي بَيْنَهُما » « 2 » . وقد وردت آيات من القرآن الكريم وبشكل مكرر تشير إلى مسألة الرشوة وتذمها ، منها قوله تعالى : « وَلَا تأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا الَى الْحُكَّامِ لَتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ امْوال النَّاسِ بِالأِثْمِ وَانْتُمْ تَعْلَمُونَ » . ( البقرة / 188 ) وللفخر الرازي هنا تعبير جميل وهو أنّ « الادلاء » مأخوذ من « الدلو » وهو الإناء الذي يستخرج الماء من البئر بواسطته ، « والرشاء » بمعنى « الحبل » فكما أنّ الإنسان يستخرج الماء الموجود في الدلو بالحبل ، فكذلك الراشي يأكل أموال الناس بواسطة الرشوة التي يعطيها للقاضي . نعم ، فالتعبير ب « ولا تدلوا بها إلى الحكّام » تشبيه وإشارة لطيفة لهذا الموضوع . ويستفاد أيضاً من سورة المائدة بأنّ علماء اليهود حرّفوا الأحكام الإلهيّة لمنافعهم الخاصة ، وقد ذمّ القرآن الكريم هذه الظاهرة ، فقد قال تعالى : « وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتى ثَمَناً قَلِيلًا وَمَن لَّم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَاولِئكَ هُمُ الْكافِرُونَ » . ( المائدة / 44 )
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 244 . ( 2 ) ميزان الحكمة ، ج 4 ، ص 135 .