ولي المسلمين ، صحيح أنّ لكلمة الولي معانِيَ عديدة كما أشرنا إليها آنفاً ، فتارة تعني الناصر والصديق ، وأخرى جاءت بمعنى المتصرّف والحاكم المشرف وكما يقول الراغب : إنّ أصلها بمعنى أن يحصل شيئان فصاعداً حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما ثم يضيف : « الولاية » بكسر الواو بمعنى « النصرة » و « الولاية » بفتح الواو تعني تولي الأمر « 1 » .
أمّا القرينة الموجودة في الآية فهي تدلّ على أنّ « الولي » هنا تعني المتولي والمشرف وصاحب الخيار لأنّها لو كانت تعني الناصر والصديق والمعين لشملت المؤمنين جميعاً ، كما نقرأ في الآية : « وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ » . ( التوبة / 71 )
بَيدَ أنّ الولاية في آية البحث اعتبرت منحصرة في حالة خاصة بذلك المتصدق في ركوعه ، وكلمة « إنّما » التي تفيد الحصر جاءت معها ( تأملوا جيداً ) .
إنّ هذا التعبير يجعلنا نتيقن بأنّ « الولاية » في الآية الآنفة الذكر لا تعني الصداقة والنصرة ( وكذا سائر المعاني المشابهة والقريبة لهذا المعنى ) ، وعلى هذا الأساس فلا مجال إلّاأن تكون بمعنى المتولي وصاحب الأمر المشرف ، الذي توازي ولايته ولاية اللَّه والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله .
والآية التالية : « وَمَنْ يَتَولَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ » .
وحقيقة هذه الآية أنّها تتمّة لمضمون الآية المذكورة ، وتلاحظ فيها قرينة أخرى على تفسير الولاية بمعنى تولي الأمر والاشراف ، لأنّ التعبير ب « حزب اللَّه » وانتصارهم على الأعداء يتعلق بإقامة حكومة إسلامية لا على أساس الصداقة العادية ، وهذا يفيد أنّ كلمة الولي في الآية تعني المشرف والحاكم والماسك بزمام أمور الإسلام والمسلمين ، لانّ معنى « الحزب » هو ضربٌ من التنظيم والتضامن الاجتماعي من أجل تأمين أهداف مشتركة .
هامش
( 1 ) مفردات الراغب ، مادة ( ولي ) وذكر البعض 27 معنى للمولى ( الغدير ، ج 1 ، ص 362 ) إلّاأنّ أصول معانيها ذانك المعنيان والبقيّة ترجع إليهما .