اشتملت عليه من معاني الحب والغرام الذي اشتعل في قلب تلك المرأة الجميلة المتهورة نجده يستفيد من جميع أصول الأخلاق والعفاف من دون أي تمويه وتعتيم على الحقائق ، أو إجمال الحوادث في جو من الابهام والغموض ، إنّه لا يدع أي شاردة وواردة في الحديث إلّا وذكرها ولكنه لا يتطرق إلى أدنى انحراف عن أصول العفة في البيان ، فعلى سبيل المثال يقول في صدد شرح قصة اختلاء زليخا بيوسف عليه السلام : « وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنْ نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الابْوابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ انَّهُ رَبِّى احْسَنَ مَثْوَاىَ انِّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » . ( يوسف / 23 )
ومن الجدير بالذكر استعمال القرآن لكلمة « راود » التي تستفاد في مورد الالحاح في الطلب من إنسان ما بشيء من الهدوء والمرونة ، وهي تنسجم تماماً مع أداء المعنى المقصود هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، لا يذكر اسم زليخا ولا زوجها عزيز مصر بل يقول : « الَّتي هُو في بَيْتِها » من أجل أن يبيّن مروءة يوسف وعدم خيانته لمولاه ، كما يبين في الوقت ذاته تقواه ، ومقاومته لمن يعيش في كنفه وتحت إمرته .
ومن جهة ثالثة تشير جملة « غَلَّقَتِ الابْوَابَ » التي تفيد معنى المبالغة بحكم مصدر باب التفعيل إلى مدى صعوبة الموقف وتلاطم الاحداث التي مرت بها هذه الواقعة .
ومن جهة رابعة توضح جملة « قَالَتْ هَيْتَ لَكَ » ذلك الحديث الأخير لزليخا الذي قالته لبلوغ وصال يوسف ، إلّاأننا نلاحظ هنا مدى رزانته وقوة سبكه المصحوبة بنزاهة البيان وسمو المعنى .
ومن جهة خامسة يشير كلام يوسف : « مَعَاذَ اللَّهِ انَّهُ رَبِّى احْسَنَ مَثْوَاىَ » راداً على زليخا مندداً بها وبصرامة ، بمعنى انني لا أقوم بخيانة صاحب البيت الذي أنعم عليَّ وقاسمته هموم العيش ، بالرغم من الأيّام القليلة لتي قضيتها في هذا البيت فما بالك أنت وقد قضيت هنا عمراً طويلًا .
وتوضح الآيات اللاحقة التي يطول شرحها هذه القصة بشكل رائع ، ومن ثم ترسم معالم المقاومة الخيرة ، لعواصف الهوى والتهور وتسليم الأمور الذاتية بيد اللَّه تعالى في هذه المشاهد بشكل ممتع وجميل .
نفحات القرآن — صفحة 92
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩٢