في الآية الثالثة نقرأ عن لسان عيسى بن مريم أنّه أعطى البشارة أمام بني إسرائيل « وَاذْ قَالَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ يَابنَىِ اسرَائِيلَ انَّى رَسُولُ اللهِ اليَكُم مُّصَدِّقاً لِمَا بَينَ يَدَىَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَاتى مِن بَعدِى اسمُهُ احمَدُ » ، ويقول في نهاية الآية : « فَلَمَّا جَاءَهُم بالبَيَّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحرٌ مُبِّينٌ » .
والمثير للاهتمام هو أنّ القرآن ينقل أقوال هؤلاء في مخالفتهم ومعارضتهم للمعجزات واتهامهم عيسى عليه السلام بالسحر ، ولكنه لم يتحدث عن معارضتهم حول إخبار ( المسيح عليه السلام ) بمسألة مجيء ( أحمد صلى الله عليه وآله ) ، وهذا دليل واضح على أنّهم لا ينكرون هذا الخبر .
في الآية الرابعة نواجه نقطة جديدة تقول : « وَلَمَّا جَآءَهُم كِتَابٌ مِّن عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّما مَعَهُم وَكَانُوا مِن قَبلُ يَستَفِتحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّاعَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ » .
إنَّ هذه الآية جاءت لتشير إلى السبب الذي استوجب نزولها من أن ( اليهود ) هاجروا من أرضهم وديارهم إلى المدينة لرؤيتهم علامات نبي الإسلام صلى الله عليه وآله التي في كتبهم ، ولأنّهم قرأوا فيها أنّ محل هجرة هذا النبي صلى الله عليه وآله بين جبلي ( عير ) و ( أحد ) - وهما جبلان على طرفي المدينة ، ولهذا فقد جاءوا وسكنوا المدينة وكتبوا حتى لإخوانهم بإننا وجدنا الأرض الموعودة فتعالوا إلينا .
فقال أولئك الذين ليسوا بعيدين جدّاً عنها : إنّه لا تفصلنا فاصلة كبيرة عن تلك المنطقة وحين يهاجر إليها النبي الموعود نلتحق بكم ! وعندما يصطدمون مع سكان المدينة الأصليين من قبيلتي ( الأوس ) و ( الخزرج ) يقولون : « نحن في ظل النبي الجديد سوف ننتصر عليكم » « 1 » .
هامش
( 1 ) اقتباس عن سبب النزول الذي جاء في الدر المنثور من تفاسير أهل السنة . وتفسير العياشي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( وذكره الكثير من مفسري الشيعة وأهل السنة أيضاً في ذيل الآية المذكورة ) - ومع أنّ البعض من المفسرين مثل الفخر الرازي أعطوا احتمالات متعددة لعبارة ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) ولكن أغلبها ترجع إلى نفس المعنى الذي ذكر أعلاه .