تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
والضغائن والحسد ، وأحياناً سفك الدماء بين القبائل إلى الحد الذي يدعهم - من أجل إثبات كثرة عددهم - إلى التوجه صوب القبور لعدّ قبور موتاهم والتفاخر بالعظام النخرة لأجدادهم وهي تحت التراب . يقول القرآن الكريم : « الَهكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرتُمُ المَقَابِرَ » . ( التكاثر / 1 - 2 ) وما إلى ذلك من أوهام ومفاسد وكوارث أخرى من هذا القبيل . إنّ الانحطاط في تلك البيئة والفقر المعنوي والمادي جَعل تلك المنطقة في قائمة أكثر مناطق العالم تخلُّفاً . ينقل أحد المؤرخين الغربيين عن بعض المؤرخين المعروفين حول بيئة الحجاز في العصر الجاهلي قائلًا : عندما دخل ( ديمتريوس ) القائد اليوناني الكبير ( البتراء ) - إحدى مدن الحجاز القديمة - وهو في طريقه لاحتلال المنطقة العربية ، قال له العرب الساكنون هناك : ( أيّها الملك ديمتريوس ! لماذا تحاربنا ؟ إنّنا نعيش في أرض حصباء تفتقر لأبسط متطلبات الحياة ، ومحرومة من كل النعم التي يتمتع بها أهالي المدن والقصبات ، لقد اخترنا السكن في هذه الصحراء القاحلة لأننا لا نريد أن نكون عبيداً لأحد ، ولهذا تقبّل منّا هذه التحف والهدايا التي نقدمها لك وأخرج جيوشك من هنا وعُدْ . . . ) . وانتهز ( ديمتريوس ) رسالة الصلح هذه وقبلَ الهدايا وغض النظر عن هكذا حرب تُخلِّف مشاكل كثيرة « 1 » . ومنطقة ( الحجاز ) لم تخضع لسيطرة الفاتحين القدامى على مدى التاريخ وقد حافظت على استقلالها ، والسبب كما يقول المحلّلون : هو عدم استحقاق مثل هذه المنطقة - الجرداء التي تفتقر لكل شيء - هذه الجهود والمشاكل ، وأيضاً افتقار منطقة الحجاز لحضارات البلدان القديمة مثل إيران وروما والتي تتواجد في الكثير من نقاط شبه الجزيرة العربية . وبعد أن تعرفنا على حال الجزيرة العربية لابدّ لنا من النظر إلى حال الإنسان البسيط الذي عاش في محيطها مهما كانت قوة إرادته وقوة تفكيره ( لا سيما إذا لم يكن قد تلقّى أي نوع من التعليم ) .
هامش
( 1 ) تاريخ حضارة العرب والإسلام تأليف كوستاف لوبون .