تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
من هنا لم يتسن لأينبي أن يستسلم لهذا النوع من الأراجيف والأباطيل ، فضلًا عن أنّ الاعجاز ليس من شأن النبي واختياره ، وإنّما هو من شأن اللَّه تعالى واختياره . إنَّ النبي بإمكانه أن يطلب المعجزة من اللَّه واللَّه تعالى يضع بين يديه أي شيء يراه صالحاً ، ولهذا نقرأ هذا المعنى في ذيل قوله تعالى : « قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنْتُ الَّا بَشَراً رَّسُولًا » ( الأسراء / 90 - 93 ) وكذا في قوله تعالى : « وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ انْ يَاتِىَ بِآيَةٍ الَّا بِاذْنِ اللّهِ » . ( الرعد / 38 ) وأمّا قوله : نحن لن نستسلم لمطاليبكم لأنّ الأولين كذبوا ذلك ، فهذا يدعو إلى هذا التساؤل وهو : كيف يجوز أن يكون تكذيب الأولين سبباً لحرمان الأجيال المتعاقبة من مشاهدة المعجزات ؟ فالإجابة عنه تكمن في كون هذه العبارة متداولة وذلك بأن يقال للشخص العنيد الذي لا نريد أن نستسلم له : إنَّ اقتراحك لم يكن وجيهاً وقد سبق لغيرك أن اقترحه ، ولم يرضخ للحق . بعبارة أخرى أنّ المعاجز التي تقترحونها لا تستند إلى أساس البحث عن الحقيقة ، وإنّما هي « اقتراحية » وتعجيزية ، ولو نفذت طلباتكم لما آمنتم أيضاً ، فقد سبق لافراد مثلكم في الأمم الغابرة أن طلبوا إظهار معاجز ثم كذبوها بعدما شاهدوها . ملخص الكلام هو أنّ من الصحيح القول : إنّ القرآن لوحده معجزة خالدة ، ولو لم يكن هناك معجزة أخرى سوى هذه المعجزة للنبي لاستطاعت أن تكون شاهداً على صدقه ، ولكن هذا لا يدل على أنّ النبي لم يمتلك معجزات جسمانية ومادية غير هذه المعاجز الروحية والمعنوية ، بل ذهبت الآيات والروايات والتواريخ الإسلامية وسيرة النبي إلى القول : إنّه كان يمتلك ذلك ، ولا شك في أنّ انضمام المعجزات المحسوسة والمادية إلى تلك المعجزة المعنوية الكبيرة يظهر حقانية الدعوة النبوية بصورة أجلى وأوضح .