تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
من المسلّم أنّ آدم لم ينس العهد الإلهي فيما يتعلّق بالاجتناب عن الأكل من الشجرة الممنوعة ، لكن نظراً لعدم اهتمامه بذلك العهد فقد عبّر عنه بالنسيان . وقال البعض أيضاً : إنّ « الناسي » هو في الحقيقة صاحب موسى عليه السلام وليس موسى عليه السلام ، والناسي لم يكن نبيّاً ، إذ لم يثبت ذلك فيما لو اقتصرنا على الآيات القرآنية على أقلّ تقدير ، فنحن نقرأ في الآيات مورد البحث أنّ صاحب موسى عليه السلام قد شاهد سقوط الحوت في الماء واستعادتها للحياة والحركة ، وقرّر إخبار موسى عليه السلام بذلك لكنّه نسي ، إذن فالناسي هو صاحب موسى لا غيره باعتباره الشاهد الوحيد لهذه الحادثة ، والنسبة إليهما في جملة « نسيا » هي من قبيل نسبة عمل الفرد إلى الجماعة وهي شائعة الاستعمال . ولو قيل : كيف يعقل إيداع مسألة بكلّ هذه الأهميّة في زاوية النسيان ؟ لقلنا : إنّ صاحب موسى عليه السلام كان قد شاهد معجزات أهمّ من هذه ، فضلًا عن كونهما في هذا السفر يطلبان هدفاً أهمّ ، فنسيان الحوت بسبب هذا الهدف لا يدعو للعجب . ونسبة النسيان إلى الشيطان ، قد تكون لوجود علاقة بين حادثة إحياء السمكة ومسألة العثور على ذلك الرجل العالم ، الذي كان من المقرّر أن يستفيد موسى عليه السلام من علمه ، وحيث إنّ عمل الشيطان هو الإغواء والحؤول دون بلوغ بني الإنسان أهدافهم المقدّسة ، أو تأخيرهم عنها على أقلّ تقدير ، فقد قذف النسيان في ذهن « صاحب موسى » . جاء في بعض الروايات عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ما مضمونه : إنّ موسى كان نائماً حين انسابت الحوت وسقطت في البحر وذهبت في سبيلها ، وأنّ صاحبه « الذي كان يشاهد هذا الموقف » لم يرغب في إيقاظه وإخباره بذلك ، كما أنّه نسي أن يخبره بعد استيقاظه أيضاً ولذلك فقد واصلوا مسيرهم يوماً وليلة آخرين ، ثمّ تذكّر هذا الرجل الحادثة وقصّها على موسى عليه السلام فاضطرّا للرجوع إلى مكانهما الأوّل ، الذي سقطت فيه السمكة في الماء « 1 » . كما قال البعض أيضاً : إنّ الأنبياء معصومون من النسيان المرتبط بدعوتهم ، دون ما له علاقة بأمر عادي يومي ، فالنسيان أمر عادي لا يرتبط من قريب أو بعيد ، بمسألة الوحي
هامش
( 1 ) تفسير المراغي ، ج 15 ، ص 174 .