والآية التي يدور بحثنا حولها تعتبر في الواقع الدليل السابع والأخير ، قال تعالى :
« أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ « 1 » * ءَأَنْتُمْ أَنْشَأتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ « 2 » » . ( الواقعة / 73 - 71 )
وفي تفسير معنى المراد من شجرة النار هنا ، يوجد تفسيران رئيسيّان :
الأول : إنّ المراد من شجرة النار الشجرتان المعروفتان « مَرْخ » و « عَفار » اللتان كانتا تُستخدمان لدى العرب في ايجاد القدحة ، حيث كانتا تُستخدمان بدلًا عن « الكبريت » لإشعال النار .
والثاني : إنّ المراد منها جميع الأشجار لأنّها لها قابلية توفير الحطب والوقود « 3 » .
وللمفسِّرين آراء في معنى المراد من « تذكرة » ، فعدد منهم يرى أنَّ المراد منها التذكّر بنار جهنم عند رؤية نار الدنيا ، ففي هذه الصورة تصلح هذه الآية لأنّ تكون دليلًا لإثبات المعاد .
والرأي الثاني هو أنّ المراد منها التذكير بأمر المعاد ، وذلك لأنّ الذي يقدر على أن يودع النار المحرقة في قلب الشجر الأخضر فإنّه لا يعجز عن ارجاع الحرارة الغريزية لبدن الأموات ، والذي يقدر على جمع الضِّدَّينِ كالماء والنار فإنّه بطريق أولى يمكنه أن يجمع بين الموت والحياة على التوالي ، أي إيجادهما الواحد بعد الآخر .
أو بتعبير آخر كيف لايتمكّن مَن يُعيد الطاقة الكامنة والضوءَ والحرارة مِن أن يهب حياة جديدة للأموات من بني الإنسان ؟
والتفسير الأخير هو أكثر تناسباً مع آيات هذه السورة التي تتصدى للإجابة عن شبهات منكري المعاد طبعاً ، كما إنَّ الجمع بين هذه التفاسير ممكن أيضاً .
هامش
( 1 ) « تورون » من مادة « ايراء » بمعنى اشعال النار ، قال الراغب في المفردات : ايراء في الأصل بمعنى الستر والتغشية ، لذا اطلق على ما في الخلف « وراء » وبما أنّ النار تكمن في الحطب أو في القدحة اطلق العرب كلمة « ورى » أو « ايراء » على اخراجها من مخبئها .
( 2 ) « المقوين » من مادّة « قِواء » ( على وزن كِتاب ) بمعنى الصحراء القاحلة ، وتطلق على المسافرين الذين يقطعون الصحارى من دون متاع أيضاً .
( 3 ) ورد هذان التفسيران في تفسير روح المعاني ، ج 27 ، ص 129 ؛ وفي تفسير الكبير ، ج 29 ، ص 184 في ذيل الآيات مورد البحث .