تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
وقد نقلت بعض التفاسير قصّة لطيفة في تفسير ذيل الآية ( 90 / يونس ) بخصوص فرعون تُعدُّ شاهداً حيّاً على موضوع بحثنا ، وهي : دخل جبرائيل عليه السلام على فرعون ذات يومٍ بهيئة إنسان واشتكى إليه قائلًا : يا صاحب الجلالة ! كان لي غلامٌ على سائر عبيدي ، وسلّمته مفاتح كنوزي ، فعاداني وعادى من يُحبّني وأحبَّ أعدائي ، وقربّهم إليه ، فاقض أنت بشأنه وعيّن عقوبته ! فقال فرعون : لو كان هذا غُلامي لأغرقته في البحر ! فقال جبرئيل عليه السلام : اكتب لي هذا الأمر ( الحكم ) يا صاحب الجلالة ( لكي استفيد من خطّك ) ، فأمر فرعون باحضار دواةٍ وقلم وورقٍ فكتب : ( إنني أحكم على العبد الذي يتمرّد على مولاه ويكفر بأنعُمِهِ بأن يُقتلَ غرقاً ) . ( انتهت هذه الحادثة ) وعندما أوشك فرعون وجنوده على الغرق في البحر ، ظهر إليه جبرئيل وأراه خَطّهُ وقال له : « هذا ما حكمت بنفسك » « 1 » . والجدير بالذكر هو أنّه لو كان أحدٌ حاضراً في هذه الأقوام عند نزول البلاء كالعاصفة والصاعقة ، والسيل ، والزلزلة ، من دون أن يعرف شيئاً عن ماضيهم ، ويرى بأُمّ عينيه الدمار الناجم عن السيل وكيفيّة تهدُّم المنازل على رؤوس أصحابها بسبب العواصف ، وكيف تحوّل الصاعقة كُلّ شيءٍ إلى رماد في لحظة واحدة ، لتعجب ودُهِش ولأمكن أن يُشكّك في مسألة العدل الإلهي في عالم الوجود . ولكن لو اطّلع على الحوادث السابقة وأعمال تلك الأقوام الماضية لزال شكّهُ . وهذه فلسفة قسم من الآفات والبلايا ( وسبب قولنا - قسمٌ - هو وجود فلسفة خاصّة لكل قسم من أقسام البلاء ) . 3 - أشار القرآن الكريم في سورة سبأ إلى قصّة مفصّلة وغنيّة وموقظة بشأن قوم من اليمن ذوي تمدُّنٍ ملحوظ ، وكان هذا التمدُّن ناتجاً عن وجود سدٍّ عظيم مُحْدَثٍ بين الجبال يحصر مياه البراري والجبال ليوزعها بتنظيمٍ دقيق على المزارع والحقول ، فصارت أرضاً خصبةً مليئة بالنعم الإلهيّة ( جنّة ) .
هامش
( 1 ) تفسير روح البيان ، ج 4 ، ص 77 .
نفحات القرآن — صفحة 360 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي