لأنّ التواجد في كل مكان إمّا يعني امتلاك الموجود أبعاداً واسعةً وأجزاءً كثيرة تملأ المكان ، وكل جُزءٍ منه موجود في جهة معينة ، ونحن نعلم باستحالة هذا المعنى بالنسبة إلى اللَّه تعالى ، لأنّه سبحانه ليس له أجزاء ، وقول القرآن : ( هو معكم ) لا يعني أنّ جزءاً من وجود اللَّه تعالى هناك ( فتأمل جيداً ) .
أو يعني عدم إحاطة المكان به ، أي هو فوق الزمان المكان ، وطبعاً مثل هذا الوجود تتساوى فيه جميع الأمكنة والأزمنة ولا معنى للبعد والقرب عنده .
والملاحظة المهمّة هنا هي أنّ التعبير بعبارة ( وجه اللَّه ) تعني في القرآن الذات الإلهيّة المقدّسة .
ولكون ( الوجه ) أشرف أعضاء الإنسان ويحتوي على أهم حواسّه ، فإنّ هذه الكلمة تُستعمل كناية عن ( الذات ) ، ولكن بعض المفسّرين فسّروها بمعنى الرضا الإلهي ، أو الثواب الإلهي ، أو القبلة ، ولا نعتقد بصحة أيٍّ من هذه المعاني .
قال تعالى في الآية الثانية - ضمن ردّه على المشركين والذين جعلوا له ولداً ، وتنزيه ذاته المقدّسة عن هذه الصفات : « وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِى الأَرضِ إِلهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ » .
إنّ إلوهيّة اللَّه تعالى لا تخص جهة معينة ، أو مكاناً خاصاً ، ومساحة إلوهيته وسعت كُلّ مكان ، وبسبب وجوده في كل مكان فهو بكُلّ شيءٍ عليم وخبير ، وأفعاله حكيمة ، بل إنّ هذا التعبير يشير إلى أن ( العليم ) و ( الحكيم ) الوحيد في عالم الوجود هو اللَّه سبحانه ، لأنّ علم وحكمة من سواه قاصرة وناقصة ومشوبة بالجهل .
ولكنّ المشركين على مدى التاريخ قالوا : إنّ لكل واحدة من موجودات العالم إلهاً وربّاً :
إله السماء ، إله الأرض ، إله البحر ، إله البر ، إله الحرب وإله السلام ، وما شاكل ذلك ، والآية أعلاه تنفي جميع هذه المعتقدات الباطلة ، وتؤكّد على ربوبيّة اللَّه الواحد الأحد على جميع عالم الوجود .
نفحات القرآن — صفحة 195
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٩٥