الإنسان في الخالقية ، فلا يصدق عاقل بأنّ كتلة من الحجر والخشب مصنوعة بيد الإنسان على هيئة الصنم تكون خالقاً للسماء والأرض وحتّى أنّهم لم يعتقدوا أنّ للأنبياء والأولياء هذا المقام أيضاً .
يحتمل أن تكون هذه الآية إشارة إلى نفوذ هذه العقيدة في أعماق الفطرة الإنسانية ، وعلى أيّة حال فإنّ الفصل بين ( توحيد الخالقية ) و ( توحيد العبادة ) تناقض صريح ، لأنّ الخالق والرازق هو اللائق بالعبودية فهو الذي سخّر الشمس والقمر لينعم بهما الإنسان وجعلهما في خدمته .
بناءً على ذلك لا تنفصل ( الخالقية ) عن ( الربوبية ) ولا ( الربوبية ) عن ( الألوهية ) ، وبعبارة أوضح : هو الخالق وهو المدبّر للعالم وهو أهل لعبودية العباد .
وقد حاول بعض المفسّرين مثل مؤلف تفسير ( في ظلال القرآن ) أن يعتبر التفات مشركي العرب إلى ( توحيد الخالقية ) ناشىء من تعليمات الأنبياء كالنبي إبراهيم عليه السلام « 1 » .
إلّا أنّه لا ضرورة لهذا الإصرار ، حيث يقرّ كلّ إنسان بهذه الحقيقة عند مراجعته للعقل والوجدان ، كما أشير إلى هذا المضمون في تفسير روح البيان « 2 » .
إنّ الاستناد إلى مسألة الخلق ثمّ التسخير إشارة إلى مسألتي ( الخلق ) و ( التدبير ) حيث يكون الجميع بأمره والمراد من ( التسخير ) في هذه الآية - بقرينة آيات التسخير الأخرى الواردة في القرآن الكريم - هو استخدامها في سبيل المصالح البشرية .
وعبارة « فَأَنّى يُؤْفَكُونَ » مع ملاحظة اشتقاقه من ( افك ) بمعنى ( إرجاع الشيء عن مسيره الأصلي ) يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ المسار الصحيح والمنطقي هو أنّهم بعد الإقرار بخالقية اللَّه وتدبيره في عالم الوجود « أن لا يعبدوا سواه » ، إلّاأنّهم انحرفوا عن الطريق فتعرّضوا إلى العواصف العاتية للشيطان والنفس التي رمت بهم - كالقشّة - من الطريق المستقيم إلى التيه والضلالة ( لاحظ أنّ المؤتفكات تعني الرياح المضادّة ) .
هامش
( 1 ) تفسير في ظلال القرآن ، ج 6 ، ص 428 .
( 2 ) تفسير روح البيان ، ج 6 ، ص 488 .