ولذا كانت روح الشرك والوثنية سارية في المجتمع الإنساني سراية تكاد لا تقبل التحرّز والاجتناب في المجتمعات الراقية الحاضرة وحتّى في المجتمعات المبنية على أساس رفض الدين ، فترى فيها من النُّصب وتماثيل الرجال وتعظيمها واحترامها والمبالغة في الخضوع لها ما يمثّل لك وثنية العهود الأولى والإنسان الأوّلي ، على أنّ اليوم من الوثنية على ظهر الأرض ما يبلغ مئات الملايين قاطنين في شرقها وغربها .
ومن هنا يتأيّد بحسب الاعتبار أن تكون الوثنية مبتدئة بين الناس باتّخاذ تماثيل الرجال العظماء ونصب أصنامهم وخاصّة بعد الموت ليكون في ذلك ذكرى لهم ، وكان ربّ البيت في الرومان واليونانيين القدماء - على ما يذكره التاريخ - يُعبد في بيته ، فإذا مات اتّخذ له صنم يعبده أهل بيته ، وكان كثير من الملوك والعظماء معبودين في أقوامهم ، وقد ذكر القرآن الكريم منهم نمرود الملك المعاصر لإبراهيم عليه السلام . . . وهو ذا يوجد في بيوت الأصنام الموجودة اليوم ، وكذا بين الآثار العتيقة المحفوظة عنهم أصنام كثير من عظماء رجال الدين كبوذا وأصنام كثير من البراهمة وغيرهم ، واتّخاذهم الموتى وعبادتهم لها من الشواهد على أنّهم كانوا يرون أنّهم لا يبطلون بالموت وإنّ أرواحهم باقية بعده ، لها من العناية والأثر ما كان في حال حياتهم بل هي بعد الموت أقوى وجوداً وأنفذ إرادةً وأشدّ تأثيراً من شوب المادّة ونجت من التأثيرات الجسمانية والإنفعالات الجرمانية ، وكان فرعون موسى يعبد أصناماً له وهو إله معبود في قومه : « وَقَالَ المَلَأُ مِنْ قَومِ فِرعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وقَومَهُ لِيُفسِدُوا فِى الأرضِ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ » » « 1 » .
وما جاء في هذا البحث هو بعض عوامل الشرك ، ولا بأس من الإشارة أخيراً إلى نقطة تثير العجب ذكرها المؤرّخ الغربي الشهير ( ويل ديورانت ) في كتابه التاريخي ( قصّة الحضارة ) وأيّده الكثير من الذين سافروا إلى خارج البلاد في هذا العصر بملاحظاتهم في تلك البلدان وهو وجود أصنام كثيرة صنعت على صورة الأجهزة التناسلية للذكر والأنثى ! حيث تعبد من قبل مجموعة كبيرة !
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج 10 ، ص 275 - 277 ( مع التلخيص ) .