على أيّةِ حالٍ ، فلو لم يكن إدراكُ حُسْنِ وقُبحِ الأفعالِ فطرياً بالنسبة للإنسان ، أي لو كانت هناك حاجة للاستدلال من أجل فَهمِ قُبحِ الظلم وحُسنِ العدل والاحسان والأعمال الأخرى فمن المسلَّم إنّه سيختلُ نظام المجتمع البشري ، لأنَّ الكثير من الاختلافات العقائدية تنشأ عن الاستدلالات النظرية ، حيثُ لا يوجد أساسٌ وجدانيٌ متين لهذا المعنى ، فيمنحُ كلُّ شخصٍ لنفسهِ حريةَ القيام بأيِّ عمل .
أجَلْ إنَّ هذه الهدايةَ الالهيةَ في الحياة الاجتماعية للإنسان مصيريةٌ إلى أبعدِ الحدود ، وهذه النعمةُ وهذه الهدايةُ مهمّةٌ إلى الحدِّ الذي لا يمكن قياسُها بسائر النِّعم الأخرى .
وفي الآية الرابعةِ طُرحت مسألةُ فطرية الدين ، وهو ( الدين الحنيف ) أي الخالي من كل أشكال الهوى والاتجاه نحو الباطل والانحراف ، والطاهر من كافة أشكال الشرك والتلوث :
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيْفَاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَتى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا » .
والاستفادة من تعبير « الدِّين » نظراً لسعة مفهومهِ ، حيث يشمل جميعَ أصول الدين ، والحد الأدنى من مجموع فروع الدين ، بأنّه ليس معرفة اللَّه والتوحيد فقط ، وإنّما أصول وفروع الدين كافة اودعَتْ منذ البداية في روحِ الإنسان بنحوٍ اجماليٍّ وبصورةٍ فطريةٍ ، وهذه هي « الهدايةُ التكوينية » التي يُمكنُ أن تُوجِدَ أكثر الآثار جاذبية لدى الإنسان فيما لو تناغمت مع « الهداية التشريعية » للأنبياء عليهم السلام .
بناءً على ذلك فانَّ أصلَ كلِّ دعوةٍ موجودةٍ في الشريعةِ له وجود في أعماق فطرةِ الإنسان ، ولا يعارضُ أيُّ دينٍ الإرادات الفطرية للإنسان ، بل يرشدُها وَيكْملها من خلال الطريق المشروع ، ولهذا فانَّ التعبُّدَ والتَّدَيُنَ موجودان داخل روحِ الإنسان بصفتهما هدايةً تكوينية ، وإذا ما حصلَ انحرافٌ ما فانَّهُ طارىءٌ ، لهذا فانَّ دور الأنبياء عليهم السلام هو ازالةُ هذه الانحرافات الطارئة كي تحصلَ إمكانية تَفَتُح الفطرةِ الحقيقية .
وهنا نكتفي بهذا المقدار حيث سنتكلَّمُ مفصلًا بخصوص هذه الآية في بحث التوحيد الفطري في المجلَّد الثالث إن شاء اللَّه .
نفحات القرآن — صفحة 107
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٠٧