كلام المتقدمين فيه إِشارة إلى ما ذهب إليه المعاصرون أم لا ، المهم بالنسبة لنا هو أنّ كثيراً من علماء النفس ، بعد اكتشاف عالم اللا شعور وحل بعض المعضلات الروحية عن طريق هذا الاكتشاف ، سعى لتبرير ظاهرة الوحي بما يتناسب ويتفق مع هذا الاكتشاف ، حيث ادعوا أنّ الوحي هو ترشحات عالم اللا شعور التي تظهر عند الأنبياء على شكل طفرات فكرية بالصدفة .
وقد ساعد الأنبياء في ذلك أحياناً - أمران : الأول النبوغ الفكري ، والثاني هو الترويض والتفكير المستمر .
وطبقاً لهذه الفرضية ، فإنّ علاقة « الوحي » بعالم ما وراء الطبيعة ليست علاقة من نوع خاص ومغايرة للعلاقات الفكرية والعقلية لبقية أفراد البشر ، وأنّ هذا لا يتم عن طريق وجودٍ روحي مستقل باسم « الوحي » ، بل هو انعكاس لضمير الأنبياء الخفي ، وهذه الفرضية كالسابقة القائلة بأنّ الوحي هو الاتصال بالعقل الفعال ، تفتقد الدليل ، وقد يكون المراد بهذا من هذا الكلام ليس إثبات حقيقة الوحي ، بل مرادهم إنّ ظاهرة الوحي لا تتنافى مع العلوم الحديثة ، ويمكن تجلّي عالم اللا شعور لدى الأنبياء .
وبتعبير أوضح ، فإنّ العلماء يصرون على تفسير جميع ظواهر العالم طبقاً للقوانين الطبيعية والأصول العلمية التي اكتشفوها ، ولهذا فإنّهم بمجرّد مشاهدتهم لظاهرة جديدة ، يسعون إلى تحليلها في إطار العلم الحديث ، وإذا افتقدوا الدليل في هذا المجال اكتفوا بالفرضيات .
لكن تلقي ظواهر العالم بهذا الشكل ليس صحيحاً ، وهذا هو خطأ العلماء الطبيعيين ، مفهوم كلامهم هذا هو : إننا فهمنا الأصول والقوانين الأساسية للعالم ، ولا توجد ظاهرة خارجة عن اطُر هذه القوانين والأصول .
وهذا ادّعاء محض ولا دليل له ، بل لنا دليل على العكس ، حيث نشاهد بمرور الزمن اكتشاف أصول وقوانين جديدة لنظام هذا العالم ، ولدينا قرائن تثبت أنّ نسبة ما نعلمه عن هذا العالم إلى ما لا نعلمه كنسبة القطرة إلى البحر .
نفحات القرآن — صفحة 179
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٧٩