ولذلك يستحب للقاضي أيضا دعوة المتخاصمين إلى الصلح أولا قبل قضائه ، وقد رغّب إليه الشرع المقدّس أيضا إلّا في موارد خاصة والتي لا يقبلها طبع المتنازع فيه ، ولا يستحسنه العقلاء أيضا ، كما في الجهاد حال اشتعال نائرة الحرب وظهور علائم الفتح للحق والنصر وانهزام الخصم الباطل ، فإنه لا يتوسّل إلى الصلح إلّا الضعيف دفعا لسقوطه وانعدامه ، ولا يقبله القوي الفائق فإنه تضعيف للحق وخذلان لأهله وهو حرام ، كما يجوز ذلك إذا كان تركه ضررا للحق وتضعيفا لا ينجبر بموازين عقلائية ، قال تعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ .
( الأنفال [ 8 ] الآية 61 و 62 )
فكما يجوز التجنيح والتواضع للسلم عند المصلحة ، كذلك لا يجوز عند إرادة العدو الخدعة للاسلام والمسلمين ، بل لا بدّ من التعقيب والإدانة ، فان اللّه تعالى هو الكافل الكافي والمؤيّد بنصره المؤمنين المجاهدين .
وكما في الزوجين عند مخافتهما في أن لا يقيما حدود اللّه تعالى فالصلح بينهما مرغوب عنه ، كما سيأتي بيانه في كتاب النكاح إن شاء اللّه تعالى .
وفي غير هذه الموارد فان الصلح حسن على الاطلاق يختلف حسنه حسب متعلّقه ومورده ، وفي المقام آيات :
الأولى - قوله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .
( الحجرات [ 49 ] الآية 9 و 10 )
الآية الكريمة - بصورة الكبرى كليا بعد ذكر قسم من موارد الاختلاف - تأمر