تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
، فيفضحهم ويظهر للملأ بطلان ذرائعهم وفساد عقيدتهم ، وفي المقام بيّن عزّ وجلّ وعده للمؤمنين بالفتح والغلبة على الكافرين ، بعد ما ذكر في الآية السابقة اعتذارهم عن موالاة اليهود والنصارى وأنّهم يخشون الدائرة عليهم ، فقد تولّوا أعداء اللّه تعالى وخالفوا النهي الإلهيّ ، فلا بدّ من إظهار كذبهم وكشف حقيقتهم بأنّهم منافقون أظهروا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وللمؤمنين ما ليس في قلوبهم ، فكانوا في شكّ من قدرة اللّه تعالى على تنفيذ وعده للمؤمنين ، فالآية الشريفة وعد محتوم منه عزّ وجلّ ، لا من جهة أنّ ( عسى ) منه تعالى جزم ، ومن غيره ترج ، بل لأنّ سياق الكلام يدلّ على أنّه وعد محتوم ، لا سيما بعد أن تضمّن قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
من الوعد ، فكان لا بدّ من تثبيت صدقه وتوكيد وعده . ومادة ( فتح ) تدلّ على الفصل في الشيء والقضاء فيه ، قال تعالى :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
[ سورة الأعراف ، الآية : 89 ] ، أي : افصل بيننا وبينهم . ومنه فتح البلاد ، قال تعالى :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ
[ سورة السجدة ، الآية : 28 ] ، ومنه المفتاح ونحو ذلك . واللام في الفتح للجنس وليس للعهد كما ذكره جمع من المفسّرين ، فاختلفوا في تعيينه ، فقيل : إنّه فتح مكّة الذي كان به ظهور الإسلام ، وبه أنجز اللّه تعالى وعده لرسوله . وردّ بأنّه غير صحيح إلّا إذا نزلت الآيات هذه قبل فتح مكّة ، وهو أوّل الكلام ، وايّد هذا القول بأنّه المراد في أغلب موارد استعمال الفتح في القرآن الكريم ، ولكن يشكل أنّه إذا كان المراد به ذلك فقد وصفه عزّ وجلّ بأنّه لا ينفع الكافرين إيمانهم بعد الفتح ، وهو لا ينطبق على فتح مكّة ولا على غيره ، قال تعالى :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ
[ سورة السجدة ، الآية : 28 - 30 ] . ومن المعلوم أنّه لا ينطبق هذا الوصف على فتح مكّة ولا على سائر الفتوحات التي أعزّ بها الإسلام ، فإنّ الإيمان منهم يقبل ، فلا بدّ أن يكون هذا