تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
المدينة ، قال : لعلك جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، قلت : بلى ، قال لي : فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرّفت به وتركك علم جدّك وأبيك ، لأنّه لا ينكر ما يجب أن يحمد ويمدح فاعله ، قلت : وما هو ؟ قال : القرآن كتاب اللّه ، قلت : وما الذي جهلت ؟ قال : قول اللّه عزّ وجلّ :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
، وقال تعالى :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
، وإنّي لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ، ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين ، فهذه أربع سيئات . فلما تصدّقت بكلّ واحد منها كانت أربعين حسنة ، انقص من أربعين حسنة أربع سيئات ، بقي ست وثلاثون . قلت : ثكلتك امّك ، أنت الجاهل بكتاب اللّه ، أما سمعت قول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
، إنّك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين ، ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين ، ولما دفعتها إلى غيرها من غير رضا صاحبها كنت إنّما أضفت أربع سيئات ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات . فجعل يلاحيني فانصرفت وتركته » . ويستفاد من هذه الرواية أنّ القبول مطلقا يدور مدار التقوى ، ولولاها فالأعمال مجرّد صور لم يكن لها لبّ . نعم لكلّ منهما مراتب ودرجات . والتقوى هي المسلك المهمّ للوصول إلى ساحة قربه ولاستقرار حبّه تعالى في القلب . وقد ذكر علماء السير والسلوك أنّ مقامات الرقي هي مراتب التقوى ، وقسّموها إلى تقوى العوامّ وتقوى الخواصّ ، وتقوى أخصّ الخواصّ . ثمّ إنّ المراد من التقوى في الآية المباركة :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
، هو مجرّد التقرّب إليه عزّ وجلّ مع تقريره به ، لا التقوى المصطلح ، لتناسب ذلك لبدء التشريع وتلائمه مع بثّ النسل ، ولم تكمل الحجّة بتمام جهاتها . ولكن تقدّم أنّ للتقرب إليه تعالى مراتب ودرجات ، وأنّه لم يرد مثل هذا التعبير القرآني إلّا في هذه الآية فقط .