تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وممّا ذكرنا تسقط دعوى بعض أهل العلم من أنّ النور جسم وعرض ، والباري جلّ شأنه منزّه عنهما ، فلا بدّ من التأويل في الآية الشريفة ، فإنّ ذلك النور ليس كسائر الأنوار كما عرفت ، فلا حاجة إلى التأويل . على أنّ مقام المظهريّة ، والتجلّي ، والإشراق غير مقام الذات ، وفي بعض روايات نفي الرؤية : « كيف أراه وحجابه النور » ، أي : أفاض من نور ذاته نور حجابه ، فهو تعالى محجوب ، وفي الدعاء المأثور : « اللهم ربّ النور العظيم » ، أو قوله عليه السّلام مخاطبا له جلّت عظمته : « أنت نور النور » . والحاصل : أنّ تجلّيه تعالى بالنور ، ليس من قبيل النور المتّصف بالكيف والعرض في عالم الإمكان المحدود بالمعقول ، وإن كانت السماوات والأرضين كلّها أنوارا أشرقت من نوره العظيم بعد ما كانتا معدومتين ، فلا داعي لالتماس المجاز في الآية المباركة :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : المنوّر لهما ، وإن كان ذلك صحيحا في حدّ نفسه ، كما لا معنى للمبالغة فيها أصلا كما عن بعض ، والبحث نفيس جدا نتعرّض له في الآية الشريفة المناسبة له إن شاء اللّه تعالى . وقد تقتبس النفوس المستعدة أنوارها من الصحف المطهّرة النازلة من السماء على قلب الرسل والأنبياء عليهم السّلام ، فتهتدي إلى الكمال اللائق ، وتصل إلى المقام الراقي . كما أنّ النور يشرق من وجود الرسل والأنبياء عليهم السّلام على القلوب القابلة أو اللائقة للسير والسلوك لعرفان الحقّ والتوجّه للخالق ، وكذا من الأولياء بل العلماء العاملين بعلمهم المتّقين ، الذين وصفهم علي عليه السّلام في خطبة همام . وقد يشرق النور من جميع الممكنات التي وجدت بالإرادة التكوينيّة ، الدالّة على خالقها وبارئها وجاعلها على النفوس القابلة للوصول إلى معرفة موجدها ومدبرها . وهذه الأنوار كلّها قابلة للشدّة والضعف ، ولها مراتب ، وفي كلّ مرتبة درجات ، وفي كلّ درجة منازل ، وفي كلّ منزلة مراحل ، وتفصيل ذلك خارج عن موضوع الكتاب .