تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ سورة البقرة ، الآية : 173 ] ، ويماثلها ما في سورتي الأنعام ( 145 ) والنحل ( 115 ) ، فيكون قوله تعالى :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
كلاما معترضا اقحم في الآية الكريمة ، ولا تتوقّف دلالة إحداهما على الأخرى ، فكلّ واحد منهما له دلالته الخاصّة ويبينان أمرين ، أحدهما محرّمات الطعام ، والثاني كمال هذا الدين وتمامه وظهوره على الشرك كلّه ، وأنّه لا مطمع لأعداء هذا الدين في زواله . ويؤيّد ذلك أنّ أغلب الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآية الشريفة - الّتي هي كثيرة - تخصّ قوله تعالى :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
بالذكر ولم تتعرّض لصدر الآية المباركة ولا لذيلها ، فيستفاد أنّ له نزولا مستقلا عن نزول الآية الشريفة ، فإنّما وضع في وسط الآية لحكم ، كما عرفت آنفا . ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الواضع هو اللّه تعالى ، أو النبي صلّى اللّه عليه وآله بأمر منه عزّ وجلّ ، أو كتّاب الوحي بأمر من النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّه لا يضرّ في أصل المطلب . كما أنّ الجملة المعترضة وإن تركّبت من جملتين إحداهما تدلّ على ظهور هذا الدين على الشرك وأمنه من كيدهم ، فلا خوف من أعداء هذا الدين ولا حاجة إلى مداراتهم ، والجملة الثانية تبيّن كمال الدين وإتمام النعمة ، إلّا أنّ مضمون كلتا الجملتين يرتبط أحدهما بالآخر ، وهو يدلّ على أنّ هذه الجملة المعترضة كلام واحد لا كلامان ، كما تدلّ عليه الروايات الّتي وردت في شأن نزولها . ولا يضرّ في ذلك تكرار لفظ ( اليوم ) الّذي يراد به في كلتا الجملتين يوم واحد ، وهو اليوم الّذي يئس فيه الكفّار وأكمل فيه الدين كما ستعرف . ثمّ إنّ اليوم يطلق تارة ويراد به بياض النهار من حين طلوع الشمس إلى غروبها ، ويقابله الليل كما في قوله تعالى :
سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ