تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
في بعض مراحله ، قال تعالى :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
، وتعالى اللّه أن يكون محدودا ومحلا للحوادث كما عرفت . ومنها : أنّه مركّب من بدن مثالي خارجي وروح قدسيّة صارت مورد الفيض ، قال تعالى :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
على ما تقدّم في التفسير ، والإله منزّه عن التركيب لدلالته على الاحتياج . ومنها : أنّه رسول اللّه تعالى تحمّل الأمانة الكبرى إلى الناس يجب عليه تبليغها إليهم ، ولا ريب أن جميع ذلك ينافي الألوهيّة ، والولديّة للّه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .

المسيح في عقيدة النصارى :

لم يكن المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام فردا عاديا كسائر الأفراد من بني البشر ، فقد خصّه اللّه تبارك وتعالى بالكرامة بأن خلقه من غير أب وجعله مورد الفيض القدسي ، وأجرى على يديه المعجزات الباهرات ، فكانت حياته من حين انعقاد حمله إلى رفعه إلى السماء معجزة إلهيّة . ولا ريب في ثبوت ما له عليه السّلام من الشرف والمكانة السامية عند المسلمين والمسيحيين على حدّ سواء ، فهم جميعا يحترمونه ويجلّونه ويقدّسونه ، إلّا أنّ مثل هذا الفرد لا يسلم من التقوّل عليه بما هو خارج عن حقيقته ، والغلو فيه وإخراجه عن طور الإنسانيّة والعروج به إلى مقام الألوهيّة ، كما حكى عزّ وجلّ في الآيات الشريفة السابقة ، قال تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
[ سورة النساء ، الآية : 171 ] ، وقد كان هذا النبي العظيم ملتفتا إلى هذه الجهة في حياته على الأرض ، فكانت أفعاله وأقواله تدلّان على أنّه إنسان ولد من أنثى وهي مريم العذراء ، وأنّه يبقى برهة من الزمن على هذه الأرض ثم يموت كما يموت سائر المخلوقات ، وأنّه