تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
الاحتجاج ما هو المعترف به لدى الخصم ، فيحاج به ويسمّى في علم المنطق ب دليل الاقتناع . ومادّة ( نكف ) تدلّ على الامتناع عن الشيء والانقباض منه أنفا وحميّة ، يقال : نكفت الشيء نحيّته ، ويقال : بحر لا ينكف ، أي : لا يبلغ آخره ، وغيث لا ينكف ، أي : لا ينقطع ، ومنه الاستنكاف وهو التكبّر الّذي يكون الترك عن أنفة ، ويتعدّى ب ( من ) و ( عن ) . والمعنى : لن يستكبر المسيح عن أن يعبد اللّه تعالى ، ولن يأنف أبدا أن يكون عبدا له عزّ وجلّ ؛ لأنّ العبوديّة للّه العظيم شرف له ، وإنّما المذلّة في غيرها ممّن ادّعى الألوهيّة لنفسه الّتي لا يستحقّها . ولا بدّ أن يستنكف عن عبوديّة غيره تعالى . وإنّما ذكر عزّ وجلّ العبوديّة دون غيرها من الألفاظ المرادفة ؛ لأنّ الكلام مع الكفرة الّذين ادّعوا الألوهيّة فيه ورفعوه عن مقام العبوديّة ؛ ولهذا قال عزّ وجلّ :
أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
، ولم يقل : عن عبادة اللّه ، ونحو ذلك . وتدلّ الآية الشريفة على كمال نزاهته وعدم استنكافه بالكليّة ؛ لأنّها تدلّ على العليّة ، أي : علّة عدم استنكافه هي كونه عبدا للّه ، بخلاف التعابير الأخرى الّتي لا تدلّ أكثر من اتّصافه بها ولو كانت مرّة واحدة ، ولا تدلّ على الدوام والتجدّد . وبعبارة أخرى : أنّ اتّصاف الشخص بالعبادة يكفي فيه أن يكون مرّة واحدة وتحقّقها فيه كذلك ، فعدم الاستنكاف عنها لا يستلزم عدم الاستنكاف عن دوامها ، ويدلّ على ذلك أيضا التعبير عن عيسى عليه السّلام بالمسيح الدالّ على العبوديّة ؛ لأنّه مبارك ولا ريب في أنّ عبادة من يعلم عظمة اللّه تعالى ويقرّ بأنّه عبد للّه أفضل من كلّ عبادة . قوله تعالى :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
. عطف على المسيح ، فإنّهم لا يستنكفون عن أن يكونوا عبيدا له عزّ وجلّ ،