تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
قوله تعالى :
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. أي : أنّ اللّه تعالى إنّما يأمركم بالإيمان لأنّه خير لكم ، وإن عرضتم وكفرتم فإنّ اللّه غني عنكم ولا ينقص بكفركم منه شيء ، فإنّ له كلّ شيء في السماوات والأرض - خلقا وملكا وتصرّفا - فلا يتضرّر بالكفر كما لا ينتفع بالإيمان ، فلا يخرج الإنسان بكفره عن ملكه وعبوديته ، فهو القادر على جزائه بما يقتضيه كفره . وتدلّ الآية الكريمة على أنّ الكافر مكابر لفطرته وعقله ، فإنّه كيف يتأتّى منه الكفر مع علمه بأنّ له تعالى ما في السماوات والأرض . قوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
. أي : أنّه تعالى عليم بجميع الأمور ومحيط بمخلوقاته إحاطة علميّة لا يخفى عليه إيمان أحد ولا كفر آخر ، حكيم في أفعاله ، فلم يخلق عباده عبثا ، فإذا أمر الإنسان بالإيمان ، فلعلمه بأنّه خير له ، وإنّه يعذّب الكافر لأنّه استكبر ولم يؤمن . قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
. آيات خاصّة نزلت في محاجّة النصارى بعد محاجّة اليهود الّذين كانوا على طرف النقيض مع النصارى في شأن المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام ، فإنّه - كما حكى عنهم عزّ وجلّ - عرفوا بتحقيره وإهانته ورميه بما يمسّ كرامته ، والكفر به ، فكانوا في أعلى درجات التفريط في حقّه عليه السّلام . وأمّا النصارى فقد غلوا في تعظيمه وتقديسه وتجاوزا حدود اللّه تعالى فيه ، فأفرطوا كلّ الإفراط ، فلما أبطل عزّ وجلّ شبهات اليهود عقبه بإبطال شبهات النصارى وتفنيد مزاعمهم . وإنّما وصفهم بأهل الكتاب مع أنّه خطاب عامّ يشمل اليهود أيضا ؛ إرشادا لهم بعدم تجاوز الحقّ في شأن المسيح ، وزجرا لهم عمّا هم عليه من الضلال البعيد . ويمكن القول بأنّ الخطاب لهم جميعا ، فإنّ اليهود كالنصارى غلوا في الدين وتجاوزوا الحقّ في شأن المسيح عليه السّلام ، فالأولى غلت فيه ففرّطت كلّ التفريط ، والثانية غلت أيضا فأفرطت كلّ الإفراط ، فيكون قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 187 | السيد عبد الأعلى السبزواري