تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ولا يخفى أنّ في تعقيب هذه الآية الشريفة بقوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
من اللطف ، فإنّه يستفاد منه أنّ الحسنة والسيئة اللتين تصيبان الإنسان لا دخل للاختيار فيهما أيضا ، فإنّ ذلك خاضع لإرادة البارئ عزّ وجلّ ومشيئته ، وإن كانت لأعمال الإنسان المدخليّة في تحقيق موضوعهما ، وسيأتي في الموضع المناسب تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى .

الخامس :

يستفاد من قوله تعالى :
فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
جواز اتّخاذ الحصون والقلاع والبلاد ونحو ذلك ، ليتمتع بها ويحفظ فيها الأموال والنفوس ، وهي من سنن اللّه تعالى في عباده ، هذا لا ينافي التوكّل على اللّه تعالى كما عرفت في بحث التوكّل ، فإنّ من حقيقته اتّخاذ الأسباب ثمّ ترك النتيجة إلى إرادة الباري عزّ وجلّ ، وهذه الآية المباركة ردّ لمن زعم أنّ التوكّل يكون بترك الأسباب .

السادس :

يدلّ قوله تعالى :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
أنّ لبعض الاعتقادات والأقوال الأثر في سلب فهم الإنسان وتكون سببا في منع وصوله إلى الحقيقة والواقع ، فلا بد حينئذ من الرجوع إلى من يرشده إليها ، وهم الأنبياء والمرسلون . ويدلّ على ذلك ذيل الآية الكريمة ، قوله تعالى :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
، فإنّ الرسول يرفع الجهل بما يبلغه عن الباري عزّ وجلّ ويزيل الغشاء عن الفهم .

السابع :

يستفاد من قوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
منظما مع قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
، أنّ هنا حقيقتين لا بدّ من الالتفات إليهما والاهتمام بهما ، وإلّا اتّصفنا بسوء الفهم وشملنا قوله تعالى :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
، والحقيقتان هما : الأولى : أنّ كلّ شيء من اللّه تعالى ؛ لأنّه خالق الأشياء وربّ العالمين ، يعلم خصوصيات الأشياء وآثارها ، وقد وضع نظاما دقيقا متقنا للوصول إليها ، ولا بدّ للإنسان أن يسعى لمعرفتها ، وبدون ذلك لا فائدة في سعيه ويلحقه الضرر والأذى ،