تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
منها تدلّ على مرتبة معينة للإيمان الصحيح الحقيقيّ الواقعيّ ، مقابل الإيمان الكاذب المزعوم . وهي : العلامة الأولى : تحكيم الرسول في ما شجر بينهم . والتحكيم جعل فرد حاكما أو حكما وتفويض الأمر إليه وقبول حكمه . ومادة [ شجر ] تدلّ على الاختلاط والتداخل ، فمنها الشجار - ككتاب - وهو خشب الهودج لاشتباك بعضه مع بعض ، والشجر لاشتجار أغصانه وتداخلها ، والتشاجر والمشاجرة في الدعاوي والأقوال لاختلاط بعضها مع بعض . وشجر في الآية الشريفة مأخوذ من الشجر - بسكون الجيم - والشجور وهو الاختلاف والتنازع . والمعنى : أنّهم لا يؤمنون أبدا وإن زعموا الإيمان حتّى يحكّموك في القضايا التي يختصمون فيها ويتشاجرون ويتنازعون ، فتحكم فيهم بشريعة اللّه تعالى ، فهذه أولى درجات الإيمان الحقيقيّ ، وهي العلامة الظاهرة ، فإنّ تلك القضايا التنازعيّة يكشف عن مخالفة هوى النفس . قوله تعالى :
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ
هذه هي العلامة الثانية ، وهي عدم تحرّج المؤمنون حقّا عن تنفيذ حكم الرسول ، لا سيما إذا خالف هوى النفس وإذعان نفوسهم بقضائه وحكمه ؛ لأنّهم يؤمنون بأنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله يحكم بشريعة اللّه تعالى ، لرسوله صلّى اللّه عليه وآله :
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
[ سورة النساء ، الآية 105 ] . وهذه العلامة تكشف عن إيمان القلب الذي لا يعلم حقيقته إلا اللّه تعالى ، ومن هنا جاء العطف بين العلامتين ب ( ثم ) ، والمراد بقوله تعالى :
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
، هو انشراح صدورهم لحكم الرسول ، الذي هو حكم اللّه تعالى ، وهو أبلغ من نفي الحرج كما لا يخفى .