تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
أي : فيضلّون ضلالا . وإنّما وصفه بالبعد إما لأجل أنّه بعيد عن الحقّ بعدا كبيرا لا التقاء معه بوجه من الوجوه ، أو لأجل المبالغة في التنزّه عنه وعن سبل غوايته . والآية الشريفة سجّلت عليهم أمورا أربعة تحدّد وصفهم تحديدا دقيقا ، وبها يحكم عليهم بوضوح بأنّهم ليسوا مؤمنين ، وهي : ادعاء الإيمان بما انزل اللّه تعالى ، وإرادة التحاكم إلى الطاغوت ، وأنّهم مأمورون أن يكفروا به ، وأنّ الشيطان يريد أن يضلّهم ضلالا بعيدا ، فحقّ أن يكونوا غير مؤمنين ، إلا أن يتحاكموا إلى شريعة اللّه كما أمر اللّه المؤمنين به في الآية السابقة . قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً
الآية الشريفة تبيّن بعض علاماتهم ، وهي أنّهم في حال السلم والأمن يظهرون الإعراض والصدود إذا دعوا إلى الإيمان بما أنزل اللّه تعالى من القرآن وما أنزل على الرسول صلّى اللّه عليه وآله من الحقّ ، وإذا أصابتهم المصيبة تلمّسوا المعاذير وادعوا أنّهم أرادوا الإحسان . وتعالوا : طلب الإقبال إلى مكان عال ثم عمّم . والصدّ : هو الإعراض ، وصدودا مصدر مؤكّد لفعله المذكور ، ويبيّن أنّ الإعراض كان صريحا وعن عمد منهم ، وقد تقدّم ما يتعلّق باشتقاق هذه المادّة . وإنّما ذكر الرسول صلّى اللّه عليه وآله مع أنّ الذي انزل إليه هو حكم اللّه تعالى ، للتأكيد على أنّ الإيمان باللّه تعالى إنّما يتم بالإيمان بالرسول وما انزل إليه . والآية تثبت مضمون إطاعة اللّه وإطاعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله . كما أنّ تخصيص الرسول بالإعراض مع أنّ الذي دعوا إليه هو الكتاب والرسول معا ، لأنّ الخطاب مع المنافقين الذين يدّعون الإيمان بالكتاب ولم يتجاهروا بالإعراض عن كتاب اللّه تعالى ولكنّهم يخالفون رسوله ، ويصدون عنه صدودا متعمّدا .