تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
[ سورة هود ، الآية : 108 ] ، فإنّ الخلود أمر ثابت ، وتعليقه على المشيئة لبيان أنّ ذلك غير خارج عن قدرته ، ولا يكون لأجل قهر قاهر عليه . الثاني : أنّها تدلّ على أنّ المغفرة وعدمها لا تكونان جزافيّتين ، بل تكونان وفق حكمة متعالية وهو العزيز الحكيم ، فإنّها اقتضت أن لا يغفر للشرك الذي يوجب فساد الفطرة وصرف الإنسان عمّا اقتضته خلقته الأصليّة ، وهي العبوديّة للواحد القهّار ، كما بيّنه عزّ وجلّ في قوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ سورة الذاريات ، الآية : 56 ] . الثالث : إنّما ذكر المشيئة لئلّا يغترّ الناس برحمته تعالى ، فيتركوا العمل اتكالا عليها ، وإلا لغى التشريع وبطل الأمر والنهي . وقد اختلف العلماء والمفسّرون في المراد من الآية الشريفة ، حتّى جعلها بعضهم من المتشابهات التي لا يمكن فهم معناها ، والحقّ ما ذكرناه . وإطلاق الآية المباركة يدلّ على غفران الذنوب غير الشرك مطلقا ، ولكن لا ينافي هذا أن يكون غفرانه لسائر المعاصي والذنوب دون الشرك بالطرق التي ذكرها عزّ وجلّ في غير موضع في القرآن الكريم ، مثل شفاعة من جعلت له الشفاعة ، كالأنبياء والملائكة والأولياء ، ومثل الأعمال الصالحة التي تكفّر الذنوب . كما أنّ إطلاق الآية المباركة يدلّ على غفران الذنوب والمعاصي غير الشرك بحسب الحكمة المتعالية ، وإن لم يبادرها بالتوبة ، وأما مع التوبة فإنّه يغفر جميع الذنوب حتّى الشرك بحسب وعده العظيم ، قال تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
[ سورة الزمر ، الآية : 53 و 54 ] .
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 265 | السيد عبد الأعلى السبزواري