مقامات الأولياء ، وهو الارتباط الكامل بين العبد والمعبود ويتحقّق بامتثال الأوامر واجتناب المناهي سرّا وعلنا ، بحيث ترتفع الاثنينيّة بين الباطن والظاهر ، وهو الإنسانيّة الكاملة التي دعا إليها القرآن الكريم ورغّب إليها غاية الترغيب ، وفيه تجتمع سعادة الدارين وللصالحين درجات نورانيّة ومقامات روحانيّة لا حدّ لها ، ولا يمكن درك هذه المنزلة العظيمة ولا تحديدها بكلام . ولمثل ذلك فليعمل العاملون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
قوله تعالى :
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
.
سؤال عن كيفيّة وقوع البشارة على خلاف مجاري الطبيعة ، وقد جرت عادة اللّه سبحانه وتعالى وسنّته على أن يجري الأمور عليها ما دامت في دار الأسباب والمسبّبات ، ولكن إرادة اللّه تعالى فوق الطبيعة ، وهي مسخّرة تحت القدرة التامّة الكاملة ، إذا قال لشيء : كن ، فيكون . وهذا هو السبب الأصيل والأوّل للإيجاد مطلقا ، وأما جريان الأمور على وفق الطبيعة من إحدى الطرق للإيجاد ربما يصل إلى المطلوب ، وربما يتخلّف عنه ، لفرض أن التأثير تحت إرادة القادر الحكيم ، ولا يمكن التخلّف فيها .
والسؤال منها إنما هو في أن الولادة هل تكون وفق مجاري الطبيعة ، وهو التزويج والولادة من أب ، وحينئذ من هو الزوج ؟ أم بغير ذلك الذي هو أمر غريب عجيب لا يصدر إلا من إرادة قاهرة له القدرة الكاملة ، وهي لا تنكر ذلك وتعلم أن اللّه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيكون السؤال استفسارا عن الواقع والحقيقة .
والمس والمسيس كناية ظاهرة عن الوطي . والبشر يطلق على الواحد والجمع ، والتنكير للعموم ، والجملة تفيد عموم النفي لا نفي العموم .
والخطاب مع الربّ لإظهار غاية التذلّل والخضوع من أن المتكلّم معها هي الملائكة ، كما عرفت سابقا ، وهي تعلم أنها تخاطبها عن اللّه تعالى وكلامهم كلامه عزّ وجلّ .