تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
في الإحياء بعد الموت في هذه الدنيا حتّى يتكلّف بالتصرف في معنى الآية المباركة . وقياس هذه القصة على قصة أصحاب الكهف أمر غير معقول حتّى عند القائلين بالقياس فإنّ دلالة الألفاظ لا يمكن أن تكون مورد القياس . قوله تعالى :
قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
. اللبث والمكث بمعنى واحد أي : قال اللّه تعالى بعد بعثه وإحيائه بعد الموت : كم لبثت في موتك هذا ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم . والترديد باعتبار اختلاف وقت الموت ووقت الإحياء فظنّ تخلل الليلة بينهما . أو هو كناية عن عدم الإحساس بالمدة الطويلة . قوله تعالى :
قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ
. أي : قال اللّه تعالى له : ما لبثت ذلك المقدار بل لبثت مائة عام . والغرض من السؤال إظهار عجزه وبيان المشية الإلهية التي تعلّقت بجعله مورد القدرة على إحياء الموتى . والسؤال والجواب يدل على أدب القرآن المشتمل على مخاطبة اللّه تعالى مع خلقه وهي تدل على كمال العناية والرأفة ، وفيها تظهر العبودية مع المعبود الحقيقي على نحو ما يشاء المعبود ، وهي اللذة التي لا منتهى لها شدة وعدة ومدة . قوله تعالى :
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
. أي : لم يتغيّر بتغير السنين ومرّ الأزمان . يعني لم يتغيّر الطعام والشراب في مائة سنة مع كونهما في معرض التغيير والاستحالة في عدة أيام . وإنّما أمر بالنظر لاستبانة طول المدة ودفع ما يخطر بالبال من قصرها . قوله تعالى :
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ
. بأن صار رميما تفرّقت عظامه وتقطعت أوصاله وبادت أجزاؤه كيف يحييه اللّه تعالى صحيحا سويا يصلح للركوب عليه . وفي تكرار الأمر بالنظر إيماء بانتقال الكلام إلى برهان آخر لتثبيت طول المدة .