تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
والعليم أي : أنّه الحياة الثابتة ، ومفهوم الحياة معلوم وظاهر ، وهي التي تبتني عليها جميع الإحساسات والإدراكات ويلازمها العلم والقدرة وبانتفائها تتعطل جميع قوى الحي ومشاعره وأفعاله وهي على مراتب وأصولها الحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية ، وحياة المجردات وقد ذكرها اللّه تعالى في كتابه الكريم في مواضع متعددة قال تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ الحديد - 17 ] ، وقال تعالى :
وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى
[ الشورى - 9 ] . وأقسامها ثلاثة : الحياة الدنيا ، والحياة البرزخية ، والحياة الآخرة ، وقد وردت في القرآن الكريم قال تعالى :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
[ غافر - 9 ] ، وسيأتي أنّ المراد من الحياتين الحياة البرزخية والحياة الآخرة . وأما الحياة الدنيا - فقد وصفها اللّه تعالى بأوصاف مختلفة كلّها تدل على ذم هذه الحياة ورداءتها وزوالها بخلاف حياة الآخرة التي وصفها اللّه تعالى بأنّها الحياة الكاملة قال تعالى :
هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
[ العنكبوت - 64 ] ، كما وصفها بالأمن والخلود والهناء وعدم النقص في كلّ ما يرتبط بها قال تعالى :
آمِنِينَ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
[ الدخان - 56 ] ، وهي أبدية لا غاية لها بحسب الآخر والمنتهى قال تعالى :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
[ هود - 108 ] ، ولكنّها محدثة مسبوقة بالعدم فهي الحياة الكاملة على الإطلاق ، ولكن مع ذلك هي مسخرة تحت إرادة اللّه تعالى مملوكة له عزّ وجل قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النحل - 97 ] . فتكون حياته جلّت عظمته حياة حقيقية كاملة واجبة فيه عزّ وجل بريئة من النقص يستحيل عليها الموت والفناء قال تعالى :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ
[ الفرقان - 58 ] ، وهي متقوّمة بالعلم والقدرة ولها مراتب غير متناهية لانتهائها إلى ما يكون عين ذات اللّه جلّت عظمته ولا مبدأ لأولها ولا منتهى لآخرها ، لأنّه أزليّ أبديّ بذاته ، وكذلك يكون ما هو عين ذاته أي الحياة