تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
والانتشار مأخوذ فيهما لكن الأول في الماء والثاني في النور . والشرب معلوم : وهو تناول الماء بالفم وبلعه . والمعنى : فلما ملك طالوت وجنّد جنوده من بني إسرائيل خرج بهم عن معسكرهم وقال لهم : إنّ اللّه يمتحنكم في طريقكم بنهر ليبين المطيع من العاصي . ويستفاد من الآية الشريفة : أنّ بني إسرائيل بعد أخذ المواثيق من نبيهم وفوا بما قاله لهم واتخذوا طالوت ملكا عليهم فنظّم الجنود ورتبهم حسب درجاتهم ومراتبهم واستعرضهم ليعرف مقدار استعدادهم وأرشدهم إلى الحقّ واختبرهم ، لمعرفة الرّوح المعنوية فيهم وتمييز الثابت على إيمانه والحافظ لذمامه عن غيره . وأضاف الاختبار إلى اللّه تعالى ليعظم ذلك في قلوبهم ، ولأنّه ولي الجميع ومن عنده النصر والظفر ، وكان إبلاغ الاختبار قبل وقته لتتم الحجة به عليهم ، ولا بد أن تكون الظروف والحالات هي التي أوجبت أن يكون الاختبار بالشرب من النهر حتّى يكون مناسبا لحالهم ، وقد ورد في التاريخ : أنّهم كانوا في مفازة وكان الوقت حارا فشكوا قلة الماء فابتلاهم اللّه بالنهر وشرب الماء منه ، كما هو مذكور في الآية الشريفة . ويمكن أن يكون المرشد له إلى هذه الأمور هو النبي الذي نصبه ملكا على بني إسرائيل ، ويدل عليه قوله تعالى :
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي
لأنّ مخالفة الأمر توجب سلب الانتساب عن المخالف فيسلك حينئذ في مسلك العدو . قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
. الطعم : تناول الغذاء ونسبته إلى الطاعم كنسبة الأكل إلى الآكل ، وقد يطلق على ما يتناول أيضا قال تعالى :
وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ
[ المائدة - 96 ] ، ويطلق الطعام على البرّ كثيرا كما في الاستعمالات الفصيحة ففي