تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
عنده الثواب والعقاب . فكان عرفانهم له أتم فلا يرجون غيره ولا يعبدون سواه فلا محالة يكون حبهم له أشد . وحب الذين آمنوا باللّه تعالى ليس كالحب الحاصل من الشهوات النفسانية ، بل له واقع غيرها وهو اللّه عزّ وجل ، وانه حق لأن الاعتقاد بالحق حق لا ريب فيه ، وأنه ظاهر في العمل لأن العمل المنبعث عن الواقع والحقيقة مرآة صافية لا شائبة فيه غيرهما ، فكان هذا الحب بالنسبة إلى الواقع والاعتقاد والعمل ، هو الحب الحقيقي الذي يربط بين الخالق والمخلوق والعابد والمعبود ، وبقدر إخلاص العبد للّه تعالى تزداد محبته له تعالى ، كما أن بقدر الاختلاط مع الغير تضعف درجة المحبة ، فان كل من أحب شيئا أعرض عن غيره وازداد الاتصال به . ويظهر أثر هذه المحبة في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فباتصاف العبد بجميع الكمالات المعنوية وارتقائه في المقامات العالية والابتعاد عن الرذائل والتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ، فان للملكات النفسانية تأثيرات في ذات النفس وكذا بالعكس . وأما في الآخرة فقد أعد اللّه للمحبين له ما لا عين رأت ولا اذن سمعت . هذا بالنسبة إلى حب العبد للّه تعالى . وأما محبته عزّ وجل للعبد فهي من صفات فعله ، وهي الهداية إلى الصراط المستقيم وكشف الحجب عن قلبه ، وتوفيقه لما يحبه عزّ وجل ، والتوجه إليه وحينئذ يطأ بساط قربه ولا يصل العبد إلى هذه المراتب إلّا باتباع الشريعة المقدسة اعتقادا وقولا وعملا ، قال تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ سورة آل عمران ، الآية : 31 ] . قوله تعالى :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
رأى مصدرها ( رؤية ) تحذف الهمزة في مستقبلها ، فيقال : يرى ونرى وترى . ولها استعمالات كثيرة في القرآن الكريم وهذه المادة تستعمل في جميع القوى الظاهرية ، يقال : لمسته فرأيته ناعما ، أو سمعت صوته فرأيته حسنا ، وتفكرت فيه فرأيته صحيحا ، وتعقلت فيه فرأيته دقيقا وغير ذلك من الاستعمالات التي