تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
الآية السابقة حكم الكافرين الذين كتموا الحق في الدنيا وأنهم يستحقون اللعن إلّا الذين تابوا وأظهروا ما كتموه . وفي هذه الآية يبين حالهم في الآخرة إذا أصروا على الكفر والعناد على الحق والجحود له وماتوا على الكفر ، فإنه يلزمهم الذل والهوان والطرد عن رحمته والخلود في العذاب . قوله تعالى :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
. أي : أنّ أولئك الكافرين الذين لم يتوبوا وماتوا على الكفر أولئك عليهم لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين حتّى من أهل مذهبهم ، لأن هذا الشخص أهل للعن فيستحقه من الجميع . ولعن الملائكة والنّاس باعتبار استلهامهم التكويني اللعن الدائمي من المبدأ القيوم لكل من طرد من ساحته . وإنما ذكر لعنهم مع أن لعن اللّه تعالى وحده يكون كافيا في خزيهم وعذابهم ، لأجل بيان صلاحية أولئك الكفار للّعن والبعد عن ساحة الرحمن فيستحق اللعن من كل من أمكنه الاطلاع على حالهم . والآية تشير إلى قضية عقلية فطرية ، وهي أن من أصر على الكفر والحجب عن منبع النور ، فهو قد حجب بصره وبصيرته عما هو في غاية الجلاء والظهور فلا محالة يكون محجوبا عن استشراق النور ، ومطرودا عند كل من كان مرتبطا تكوينا أو اختيارا أو كليهما معا مع منبع النور ، وهم الملائكة وكل من يعتد بلعنه ، وهذا معنى لعن اللّه والملائكة والنّاس أجمعين ، فلا وجه للانتظار والإمهال في حقه بعد الإصرار على الكفر والجحود للحق وعدم رجاء الإيمان والصلاح منه . ولعن الملائكة والنّاس لا يلزم أن يكون مسموعا أو يحس به أحد فإنه لا ريب في كون الملائكة والأنبياء والأولياء ومن يتبعهم يحبون من أحبه اللّه تعالى ، ويلعنون من لعنه تعالى لانبعاثهم جميعا عن إرادة اللّه تعالى وأمره . واما غيرهم من مخلوقاته فإنه يمكن أن يكون لعنهم كتسبيحهم لا يفقهه