الامتحان والابتلاء ، وإلّا لا معنى لأن يتعلق الجعل بأمر كان حاصلا له .
وثانيا : ظاهر قوله تعالى :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
يدل على كون الجعل في المستقبل ، وصرفه إلى معنى ( جعلت ) في الماضي خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل ، وقد ذكر علماء الأدب أن اسم الفاعل إنما يعمل إذا كان بمعنى المستقبل .
وبالجملة أنّ توهم كون المراد بالإمامة هي النبوة خلاف الظاهر المنساق من الآيات المباركة الواردة في القصة . وقد وردت روايات مستفيضة عن الأئمة الهداة ( عليهم السلام ) تدل على أن إمامة إبراهيم ( عليه السلام ) كانت بعد النبوة يأتي التعرض لها في البحث الروائي .
والمستفاد من جميع ما تقدم أن النسبة بين النبوة والإمامة هي العموم من وجه ، فليس كل نبي إماما كما أنه ليس كل إمام نبيا ، ومورد الاجتماع إبراهيم ( عليه السلام ) ، ومحمد ( صلّى اللّه عليه وآله ) .
قوله تعالى :
قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
. مادة ( ذرأ ) تأتي بمعنى الفرق والتفرق ، وأبدلت الهمزة ياء ، سواء كان أصلها من ذرأ بمعنى الخلق ، أم ذرر من لفظ الذر ، أم من ذري أو ذرو بمعنى الإلقاء والتفريق ؛ يقال : ذريت الحب ، أو ذروته . وهي بمعنى النسل سمي ذرية ، للاختلاف في الخصوصيات والهيئة ، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم كثيرا لا سيما في قضايا إبراهيم ( عليه السلام ) ، قال تعالى حكاية عنه ( عليه السلام ) :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ سورة البقرة ، الآية : 128 ] ، وقال تعالى :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
[ سورة إبراهيم ، الآية : 37 ] .
والظاهر من سياق الآية المباركة أنّ إبراهيم ( عليه السلام ) كما بشر بالإمامة العظمى بعد الابتلاء العظيم من ربه دعا اللّه تعالى أن يجعل هذه الموهبة العظيمة في ذريته أيضا إما جزاء لابتلائه ، أو رغبة منه فاستجاب تعالى ذلك له بقوله تعالى :
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً
[ سورة النساء ، الآية : 54 ] .