تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ثم إنّه شرع في بيان جملة من عهوده المباركة على بني إسرائيل وهي الإيمان باللّه تعالى والقرآن المشتمل على تصديق سائر الكتب السماوية ، وعدم الكفر ، والمحافظة على آيات اللّه تعالى وعدم تبديلها ، وتقوى اللّه ، وعدم كتمان الحق ، وعدم خلطه بالباطل . وهذه هي من أهم العهود الإلهية وأصولها على عباده ، ولا اختصاص لها بطائفة دون أخرى ، وإن كانت تختص ببعض الأحكام الفرعية . والعهود الإلهية وإن كانت تعد من الأمور التشريعية لكن كل تشريع له دخل في نظام التكوين ، لأن جميع جهات التشريع ترجع إلى تربية الإنسان الذي هو المقصد الأقصى من نظام التكوين فيرجع التشريع اليه . قوله تعالى :
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
. تفصيل بعد إجمال ، فإن قوله تعالى :
أَوْفُوا بِعَهْدِي
يشمل الإيمان بالنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) إلّا أنه تعالى ذكره بالخصوص تنبيها لهم وتعظيما لأمره ، وهذه الآية المباركة تدل بالدلالة الالتزامية العادية على إخبار موسى ( عليه السلام ) بشريعة خاتم الأنبياء ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، لأن كل شريعة سابقة لا بد أن تخبر بالشريعة اللاحقة كما أخبر تعالى عن الشرائع السابقة في القرآن ، وقوله تعالى :
مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
يدل على تصديق هذه الشريعة لما تقدم من الشرائع ، وقد ذكرنا في ما سبق أن الشرائع الإلهية وإن تعددت بحسب الظاهر إلّا أنها متحدة في أصول العقائد والأحكام التي ترجع إلى تربية الإنسان وسعادته في الدارين . قوله تعالى :
وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ
. لأنكم أعرف بحقيقة هذا الدين بعد أن كان الإيمان بالنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) مذكورا في التوراة - كما سيأتي - وأن هذا القرآن مصدق لما معكم فمن بادر منكم إلى الكفر يكون أشد خزيا ومنقصة ، ويكون من أئمة الكفر في ملته ، كما أنّ من بادر من أهل الكتاب إلى الإيمان باللّه والرسول يكون أول مؤمن به . قوله تعالى :
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
. المراد بالاشتراء هنا مطلق المبادلة ، والثمن القليل هو الدنيا وما فيها ، لأنها تنفذ وآيات اللّه تعالى