الّذي يحصل في تحصيل العقائد والآراء لاختلاف اشكال الفهم وإلّا لم يتوجّه إليه التوبيخ والنهي ، بل هذا اختلاف بعد البيان وإيضاح الشبهة وإزاحة العلّة . فلا يجوز لأحد من المسلمين الانحراف عن صراط الحقّ يمينا ولا شمالا إلّا أنّ القلوب مرضى والداء عضال . وقد اختلفت الأمم على أنبيائهم وفي حضورهم ووقع ذلك في حضور الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وما تفرّقوا إلّا بعد البيّنة الواضحة عنه صلّى اللّه عليه وآله حسدا وعدوانا .
قوله تعالى :
« وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » .
( 105 )
أي : الّذين اختلفوا في الحقّ بعد ما تبيّن ، لهم عذاب عظيم . فهذا الجزاء لإنكارهم الحقّ المبين وعدولهم عن الصراط المستقيم فإنّ اللّه تعالى يجازي العادلين عن الحقّ والمنحرفين عن الصدق بعذاب عظيم .
قوله تعالى :
« يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ » .
قال في مجمع البحرين 4 / 197 : قوله :
« يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ »
يحتمل أنّهما كنايتان عن ظهور الفرج والسرور وكآبة الخوف والخجل ، أو المراد بهما حقيقة البياض والسواد .
قوله تعالى :
« فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » .
( 106 )
قال في الكشّاف 1 / 399 : والظاهر أنّهم أهل الكتاب . وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد اعترافهم به قبل مجيئه . وعن عطاء : تبيضّ وجوه المهاجرين والأنصار وتسودّ وجوه بني قريظة والنضير .
وقيل : هم المرتدّون . وقيل : أهل البدع والأهواء . . . وقيل : هم جميع الكفّار لإعراضهم عمّا أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » .
أقول : الظاهر أنّهم عموم الكفّار الّذين كفروا بعد إيمانهم . وحيث إنّ الكفر بعد الإيمان جناية صريحة وكفر باللّه العظيم فاللّه تعالى يقارعهم بقارعة ، جزاء لما