الفرق بين هذه الآية وسابقتها أنّ السابقة للحثّ والتشويق للإنفاق ، وبيان سنّة اللّه - تعالى - في ثواب عمل المحسنين ، وهذه الآية في مقام التذكرة بأنّ المضاعفة وتفضّله تعالى لعباده المنفقين في الآية السابقة بما يشاء ، كيف يشاء ، لا ينبغي ولا يجوز أن يتبع ويتعقّب بالمنّ والأذى ، فإنّ أهل الإيمان والمنفقين عليهم أجلّ شأنا وأرفع مقاما عند اللّه - سبحانه - أن يقعوا مورد المنّ والأذى من ناحية المنفقين من جهة إنفاقهم ، فالمنّ والأذى يبطلان ثواب أعمالهم ، فلا ينتفعون من أعمالهم في الدنيا والآخرة .
قال في لسان العرب 13 / 415 : منّه يمنّه منّا : قطعه . . . ومنّه السير يمنّه منّا : أضعفه وأعياه . ومنّه يمنّه منّا : نقصه . . . وقوله عزّ وجلّ :
« لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى »
المنّ ههنا : أن تمنّ بما أعطيت ، وتعتدّ به كأنّك إنّما تقصد به الاعتداد ، والأذى أن توبّخ المعطى .
أقول : مصداق المنّ في الخارج وبين الناس أمر معلوم ، يريد الرجل بإحسانه على أحد أن يحمل عليه أمرا ، لولا إحسانه لما يمكن توقّعه منه ، أو يذكر إحسانه عليه عند الناس ، أو يقول عند إحسانه أو بعده بما لا يتحمّله ويشقّ عليه .
ثمّ إنّه لا إشكال بحسب الآية ، وبحسب دلالة كثير من الرّوايات في كراهة المنّ والأذى كراهة شديدة في موارد لا يوجبان هتك المؤمن واحتقاره والاستخفاف به ، ولا كلام أيضا في التحريم في صورة الإهانة والاستخفاف ، إنّما الكلام في استفادة التحريم للمنّ والأذى في صورة عدم الاستخفاف وعدم الإهانة بالمؤمن ، وسيأتي البحث في ذلك في قوله تعالى
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى » .
[ البقرة ( 2 ) / 264 ]
والظاهر في هذه الآية أنّ المنّ والأذى وقعا بعد الإنفاق لا مقارنين به .
وظاهر الآية أنّ الإنفاق المتعقّب بالمنّ والأذى ليس له أجر عند اللّه - سبحانه - فإنّ الموضوع للأجر الموعود هو الإنفاق الّذي لا يتعقّب بالمنّ والأذى .
قوله تعالى :
« لَهُمْ أَجْرُهُمْ » .
فيه إشعار بأنّ هذا الأجر ليس وعدا ابتدائيّا ، بأن يكون مفاد الآية إثبات