فالآيات والأخبار مشحونة بالمشيئة والإرادة والقدر والقضاء والإمضاء والأمر . وأمّا ما في سورة مريم فإخبار عن الأمر المقضيّ ، وإخبار عن اللّه - سبحانه - أنّ هذه القضيّة أمر هيّن عنده من دون تعرّض لجهات الفعل ، وإخبار عن سرّ تغيير مسير الخلقة عن مجاريها العادية ، وبيان لبعض الحكم فيها بأن يجعلها آية للنّاس .
قوله تعالى :
« وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ » .
( 48 )
بشارة أخرى لمريم عليها السلام بأنّه - تعالى - يعلّم المسيح الكتاب ؛ والمراد منه في المقام الكتب النازلة على الأنبياء السابقين ، فعلى هذا يكون اللّام للاستغراق .
والشاهد على ذلك ذكر التوراة والإنجيل ، فإنّ الظاهر أنّ ذكرهما تخصيص بعد التعميم ؛ وهو المتناسب في المقام .
في كمال الدّين 1 / 224 ، عن أبيه مسندا عن محمّد بن إسماعيل القرشي ، عمّن حدّثه ، عن إسماعيل بن أبي رافع ، عن أبيه أبي رافع قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله :
إنّ جبرئيل عليه السلام نزل عليّ بكتاب فيه خبر الملوك - ملوك الأرض قبلي - وخبر من بعث قبلي من الأنبياء والرّسل . . . ففي سنة إحدى وخمسين من ملك ( أسبح بن أشجان ) بعث اللّه عزّ وجلّ عيسى بن مريم عليه السلام ، واستودعه النور والعلم والحكمة وجميع علوم الأنبياء قبله ، وزاده الإنجيل وبعثه إلى بيت المقدّس إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى كتابه وحكمته وإلى الإيمان باللّه ورسوله . . .
و
« الْحِكْمَةَ »
قد تقدّم تفسيرها في قوله تعالى :
« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » .
[ البقرة ( 2 ) / 269 ] ، وقلنا هنا : إنّ الحكمة عبارة عن نفس العلوم الحقّة ؛ وهي العلوم الضروريّة الفطريّة المعبّر عنها في عرف الفقهاء بالمستقلّات العقليّة ، والعناية في إطلاق الحكمة على هذه المعارف والعلوم هي بلحاظ إتقانها وإحكامها . فعلى هذا تكون الحكمة أخصّ من الكتاب .
و
« التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ » .
قد ذكر المفسّرون أنّ ذكرهما بعد الكتاب تخصيص