فيه أيضا من هذا القبيل فإنّ المسيح عند أوّل تكلّمه قال :
« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا » .
فتكلّمه إعجازا عين إدّعائه النبوّة ، وادّعاؤه النبوّة عين إثباتها .
على أنّه يمكن أن يكون تكلّمه عليه السلام في المهد إخبارا عن النبوّة المجعولة المحقّقة في حقّه على ما يدلّ عليه قوله :
« وَجَعَلَنِي نَبِيًّا » .
قوله تعالى :
« وَمِنَ الصَّالِحِينَ » .
( 46 )
أي من جملة الأولياء الصالحين . حال من الكلمة ؛ وهو عيسى بن مريم عليه السلام .
قوله تعالى :
« قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ » .
الظاهر أنت الخطاب مع اللّه - تبارك وتعالى - لا مع الملائكة المبشرين كما بيّناه . والجواب أيضا منه - تعالى - بخلاف الآيات الّتي في سورة مريم في بيان قصّتها ، فانّ الظاهر منها أنّ الكلام من الروح الممّثل لا من اللّه ولا من الملائكة المبشّرين . والجواب أيضا من الروح الممّثل . قال الروح في جواب مريم :
« قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ » .
[ مريم 19 / 21 ] وأسند الجواب إلى اللّه - تعالى - ولم يسند إلى نفسه ؛ وهذا نصّ في أنّ المخاطب هو الروح والكلام معه .
وهذا السؤال ، سؤال استيضاح واستبصار لا استنكاف واستنكار ، فإنّها كانت صدّيقة عارفة بمقام الربوبيّة وشؤون الألوهيّة . . وقياس الموقف وأهميّة هذه الآية العظيمة بالنسبة إلى موقف زكريّا وبشارة الولد به ممّا لا يخفى ، فإنّه قد سأل زكريّا آية زيادة للاستبصار وتحصيلا للطمأنينة ، والسكينة الإلهيّة بخلاف مريم فإنّها تأيّدت بتأييد وتسديد ربّانيّ ، فاستغاثت إلى ربّها واستوضحت من عجيب شأنها ، فهنيئا لها قد شرّفت بخطاب ربّها وحلّ مشكلتها ، وتثبيت كرامتها على خالقها ومكانتها من اللّه سبحانه ، فإنّه - تعالى - خاطبها بقوله :
« قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
( 47 )
[ مشيئة تعالى وقانون العلّيّة والمعلوليّة ]
يعني أنّ جريان أمر الخلق من مسير الأسباب والعلل ، ليس بحيث يجب أن يتحقّق المشاء والمقضيّ بواسطة الأسباب والعلل ، بأن يكون قانون العلّيّة والمعلوليّة