المفهوم بالمصداق . فيكون ما به الاصطفاء عين ما به التقديم والتفضيل . ولمّا كانت مواهبه - تعالى - متفاوتة بحسب مراتبها ، فالمرتبة السابقة والتمكّن فيها ، والقيام بوظائفها مقدّمة لنيل ما فوقها بعطائه تعالى . فإذا اتّخذ اللّه عبدا نبيّا ، فاصطفاه بالنبوّة ، ثمّ يصطفيه بالرسالة ، ثمّ بالخلّة ، ثمّ بالإمامة ، وهكذا المراتب النازلة قبل النبوّة . فلفظ الاصطفاء إذا استعمل بالباء لا إطلاق فيه ولا عموم ، وفيه تصريح بما به الاصطفاء مثل قوله تعالى :
« إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي » .
وإذا استعمل مجرّدا عن الباء فلا بدّ للباحث من معرفة ما به الاصطفاء بحسب القرائن والمقامات فيما به الاصطفاء .
قوله تعالى :
« وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ » .
( 33 )
قال في مجمع البيان 2 / 433 : وقوله :
« وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ »
قيل أراد به نفس إبراهيم ونفس عمران كقوله :
« وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ » .
[ البقرة 2 / 248 ] يعني موسى وهارون .
وفيه أنّ المقيس عليه ليس بمسلّم ، فإنّ التابوت كمّا أنّه تراث موسى وهارون كذلك تراث المصطفين من آلهما . والظاهر أنّ المراد في الآية المبحوث عنها إبراهيم وآله وعمران وآله ، روعي فيه الإيجاز البليغ بمعونة دلالة المقام ، فإنّ الذرّيّة ليست تابعة لإبراهيم وعمران متفرّدين . وفي آل إبراهيم وعمران الرسل والأنبياء ، وفيهم الأوصياء والأصفياء . قال تعالى :
« وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ » .
[ العنكبوت ( 29 ) / 27 ]
و
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ » .
[ الحديد ( 57 ) / 26 ]
و
« وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ » .
[ الأنعام ( 6 ) / 84 - 86 ]