*
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا :
أي : فلا تخدعنّكم الحياة الدّنيا ، بظواهر زيناتها ولذّاتها ومتاعها ، فتصرفكم عن البصيرة المدركة للحقّ .
يقال لغة : غرّه ، أي : خدعه وأطمعه بالباطل .
ومعلوم أنّ الحياة الدنيا بزيناتها ولذّاتها ومتاعها تخدع من يتعلّق بها ، ويعطيها كلّ همّ نفسه ، غافلا عن أكدارها ، ونهايتها الحتميّة بالموت ، وقاطعا نظره عن الحياة الأخرى ، وما سوف يجري فيها من حساب ، وفصل قضاء ، وتحقيق جزاء ، على ما قدّم في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا ، وقاطعا نظره عن أنّ الحياة الأخرى هي حياة الخلود الدّائم الّذي لا ينقطع بموت .
فمن قطع نظره عن الحياة الأخرى الخالدة ، وعمّا يجري فيها من جزاء بالثواب وبالعقاب ، غرّته الحياة الدّنيا ، بظواهر زيناتها ، ولذّاتها ، وما فيها من متاع سريع الزّوال ، وغفل عن أنّها دار فناء لا دار بقاء ، وغفل عن أنّ الموت غاية كلّ حيّ فيها .
قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للناس أيضا :
. . . وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ :
أي : لا تغترّوا بما يخدعكم به الغرور .
الغرور : هو في اللّغة كلّ خدّاع يطمع بالباطل ، وبزخرف القول الكاذب ، والأفكار التي ليس لها نصيب من الحقّ .
وصيغة « غرور » من صيغ المبالغة ، أي : شديد الخدع . ويطلق غالبا على الشيطان سواء أكان من الجنّ أم من الإنس ، والتعريف في لفظ « الغرور » يشعر بأنّه الشيطان المعهود منه أنّه كثير الخدع بالباطل .
ويطلق لفظ « الغرور » على كلّ مضلّل بتزييناته ووساوسه وتسويلاته ،