هذا الكلام الّذي وجّهه أهل القرية لرسلهم يتضمّن اعتراضا ، وافتراء ، واتّهاما ، وربما قالوا هذا على مراحل .
* أمّا الاعتراض : فقد دلّ عليه قولهم
ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
أي :
وليس من شأن البشر أن يكونوا رسل ربّهم .
وقد تكرّر هذا الاعتراض على ألسنة كفّار القرون الذين أهلكهم اللّه ، وجاء أيضا على لسان العرب الّذين كفروا بالرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وجاء في القرآن دفع هذا الاعتراض بالحجج والبراهين الدامغة .
وهو اعتراض قائم على توهّم أنّ رسل اللّه إلى البشر لا بدّ أن يكونوا من الملائكة ، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، ولا يمشون لكسب أرزاقهم كما يفعل الناس ، مع أنّ الحكمة تقتضي أن يكون الرّسل إلى البشر من البشر أنفسهم « 1 » .
* وأمّا الافتراء : فقد دلّ عليه قولهم :
وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ
أي : وما أنزل الرحمن على بشر من شيء يتضمّن رسالة من اللّه للناس ، ككتاب ، وتعاليم ، ووصايا ، وأحكام ، وشرائع .
أو وما أنزل الرّحمن من شيء من ذلك للناس ، على بشر أو غير بشر .
« من » في عبارة
مِنْ شَيْءٍ
حرف جرّ زيد للدّلالة على استغراق العموم أو التنصيص عليه . « شيء » مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به .
وهذه المقولة الافترائيّة دلّت على ثلاثة أمور :
هامش
( 1 ) انظر الملحق الثالث من ملاحق تدبر هذه السورة « اعتراض الأمم على بشرية الرّسل » .