الّتي كانت تتصف بها وهي ذات حياة ، ثمّ تتفتّت وتتفرّق ذرّات أجسادهم ، ضمن سنن سببيّة مرسومة وموصوفة ومعلومة ، والفعّال الحقيقيّ من باطن قنوات الأسباب هو الخلّاق العليم ، خالق الأسباب والمسبّبات ، المحتجب عن الأنظار بعالم الظواهر ، تقدّست وتمجّدت أسماؤه وصفاته .
وكما كان بدء خلق الناس ، وبناء أجسادهم ضمن خطّة خلق مسبوقة بعلم شامل لكلّ صغيرة وكبيرة ، فموتهم وإفناء أجسادهم ، وكلّ التصاريف التي تجري فيها وفي نفوسهم مسبوق بعلم شامل ، وخطّة في الإفناء تتناول كلّ صغيرة وكبيرة ، ويجري تنفيذ كل ذلك بقدرة اللّه على وفق علمه السّابق الّذي شمل كلّ ما قدّره وقضاه من أطوار الإيجاد والإعدام ، والبناء والهدم ، والتركيب والحلّ ، والإفناء والبثّ ، والجمع والإعادة .
ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ،
أي : ما تنقص الأرض من أجساد الموتى بالإفناء . تقول لغة : نقص الشّيء ينقص نقصا ونقصانا على أنّ الفعل لازم ، أي : ذهب من مقداره شيء ما قلّ أو كثر ، وتقول : نقصت الشيء على أن الفعل متعدّ ، أي : أخذت منه مقدارا ما .
إنّ من آمن باللّه عزّ وجلّ ربّا خالقا ، قادرا عى أن يخلق ما يشاء ، محييا مميتا لا يجري شيء في كونه إلّا بعلمه ، وقضائه وقدره ، أو إذنه ضمن قانون التّسخير ، كيف يتوهّم أن يندّ عن علمه جلّ جلاله . ما تنقصه الأرض من أجساد الموتى .
إنّ ما يحدث في الكون كلّه تطبيق لما سبق به علم اللّه بأنه سيقع وبعد الوقوع يعلم اللّه أنّه قد وقع فعلا .
يضاف إلى هذا أنّ العلم بكلّ ما سيحدث مدوّن مسجّل بكلّ دقائقه في كتاب حفيظ ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التي نتدبّرها :
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
إنه اللّوح المحفوظ بحفظ اللّه له ، وقد يشمل غيره من الكتب ، ككتب أعمال العباد .