الصنف الرابع : الّذين في قلوبهم مرض لم يبلغ مبلغ الكفر .
فبيان كون عدد المشرفين على تعذيب المعذّبين في « سقر » تسعة عشر له عدّة حكم ربّانيّة :
( 1 ) إنّ هذا البيان هو بالنسبة إلى الكافرين فتنة لهم ، أي : امتحان لعقولهم وإراداتهم ، فالكافر المعاند حين يسمع أنّ خزنة دار العذاب يوم الدين تسعة عشر . . . يزيد في غيّه وكفره ، ولو أنّه استخدم ما منحه اللّه عزّ وجلّ من عقل وتفكير لعلم أنّ هذا تنزيل من عند اللّه ، الّذي بيده ملكوت السماوات والأرض ، وأنّه ليس من كلام محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو أنّه كان من كلامه لما اقتصر على أن يخوّفهم بملائكة عذاب عددهم تسعة عشر ، فهو امتحان يجعلهم أكثر ميلا إلى الإصرار على الكفر ، مع أنّه في حقيقته يوقظ فيهم إدراك أنّ هذا البيان تنزيل من عند اللّه ، وقد كان الكفّار بيوم الدّين من المشركين يؤمنون بالرّبّ الخالق ، فالرّأي الحصيف يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن وبأنباء الغيب الّتي جاء بها ، فهم بهذا البيان يفتنون ، أي : يمتحنون ، لكنّهم بحماقتهم وسفاهتهم يسقطون في الفتنة ، فيكتوون بنار العذاب .
وقد دلّ على هذه الحكمة قول اللّه عزّ وجلّ في الآية :
. . وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا . . . :
أي : وما جعلنا ذكر عدّتهم إلّا مادّة امتحان بالنسبة إلى الذين كفروا بما أنزل على محمّد والرّسل من قبله . لفظ : « فتنة » مفعول به ثان لفعل :
« جعلنا » ، والقصر هنا قصر إضافي ، أي : بالنسبة إلى الذين كفروا .
وينتج عن هذا الامتحان لدى هؤلاء الكافرين ظاهرتان :
الظّاهرة الأولى : أن يعلنوا استهزاءهم وكفرهم ، كالذي كان من أبي جهل ، وأبي الأشدّ بن كلدة ، والحارث بن كلدة ، على ما ورد في سبب النزول .