الأحرار ! . فليست إذاً قولة في الآذان ، وإنما قالوا في أنفسهم قولًا بليغاً ، فإطعام الطعام هكذا - مع ما تصحبه من ملابسات - تنفي الرئاء وسائر وجوه النية السيئة ، وإنه تعبير عبير في أنفس المحاويج عن
« إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ . . . »
دون قولة باللسان ، فالتلميح أبلغ من التصريح :
« لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً »
: لا مكافأة ولا اظهاراً بثناء جميل ، أو تلميحاً للناس أن ذلك من فلان وفلان ، فان شكر النعمة وشكورها هو اظهارها قلباً أو لساناً أو عملًا ، ف
« إِنَّما »
هناك تنفي كل غاية من هذا الإطعام إلا وجه اللَّه ، لا واقع الجزاء والشكور فهم رافضوه ، ولا إرادته أو نيته فهم مترفعون عنها ، وإنما إرادة وجه اللَّه لا سواه .
فهل لا يريدون من اللَّه أيضاً جزاءً كما لا يريدون منهم ؟ تلمح
« إِنَّما . . »
أنهم لا يطعمون جزاء ولا من اللَّه ، فإنها عبادة الأجراء ! ولا تحرزاً عن عذاب اللَّه فإنها عبادة العبيد ! وإنما يعبدونه لأنه اللَّه ،
« لِوَجْهِ اللَّهِ »
وإنها عبادة الأحرار ، فهؤلاء الأبرار هم أبر الأحرار ، ولا تعني
« مِنْكُمْ »
نفي ترقب الجزاء والشكور منهم فقط ، وإنما كأقرب الجزاء المترقب ، و
« إِنَّما »
المسبقة تحصره في وجه اللَّه ، اللهم إلا أن يكون ترقُّبه من اللَّه بأمر اللَّه ولوجهه ، لا أجراً منه ، ثم وليس خوفهم يوماً عبوساً قمطريراً إلا خوف العبد عن زلفاه ومعرفته ورضاه ، وإنما هي جنة الرضوان يعملون لها ، ونيران البعد يتحذرون عنها :
« إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً »
:
« نَخافُ مِنْ رَبِّنا »
خوفاً من ربوبيته لعدله ، الظاهر
« يَوْماً عَبُوساً »
: قاطباً وجهه معبِّساً « يقبض ما بين الأبصار » « 1 » يُستدل بعبْسه وقُطوبه على إرصاده بالمكروه وعزمه على ايقاع الأمر المخوف
« قَمْطَرِيراً »
: شديداً ضره ، طويلًا شره ، وهذا اليوم نفسه متطلق مستبشر لمن يخافون ربهم فيحسبون حسابه حياتهم ، فالطَّلق والعبْس ليوم الحساب ، كلُّ بحساب كيفية الحساب ، دون أن يحمل اليوم بذاته أياً منهما إلا ميزان الحق والعدل .
ف « الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران » « 2 » والمؤمن يُلَقّى
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 6 : 299 - اخرجه ابن مردويه عن انس عن النبي صلى الله عليه وآله في الآية
( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 267 كما روي أن الكافر . .