كان واجباً في هدْرها حفاظاً على نفسه ، وهنا
« غَيْرَ مُتَجانِفٍ »
دون
« غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ »
حيث الموضوع أعم مما في هذه الثلاث الأخرى وأهم ، إذ يجع إلى مخمصة الجوع مخمصة الروح حرجاً وتضيُّقاً .
ولا يختص الاضطرار هنا بخوف التلف إلّا بالنسبة للمتجانف العادي الباغي ، فقد يجوز لغيرهم أكل هذه المحرمات قدر الضرورة للحفاظ على قوة حياة مهما لا يخاف الموت ، حيث الاضطرار لا يختص باضطرار لأصل الحياة ، بل والاضطرار الحيوي يسمح ويفرض اقتراف المحرم للحفاظ على النفس مهما حرم من جهة التقصير في حصول الاضطرار .
وقد يعني الاضطرار بصورة عامة تكلف الضرر نفسياً أو صحياً أو مالياً أو عِرضياً أو دينياً ، في نفسه أمَّن هو كنفسه من ولده وأهليه ، ما صدق الاضطرار عليه عرفاً .
ففي حالة اضطرار غير المقصر ولا باغ ولا عاد ولا متجانف لإثم يجوز تناول المحرم أياً كان قَدَر الضرورة ، اللّهم إلّا أن تكون حرمة المحرم أغلظ من حرمة الاضطرار ، ففي اضطرار الموت يحل كل حرام اللهم إلَّا ما هو أشد محظوراً منه ، ثم في سائر الاضطرار لابد من النظر إلى طرفيه ، ولا يختص الاضطرار المحلِّل للحرام بالحفاظ على النفس بل والحفاظ على سائر النواميس الخمسة لنفسه أمن هو محسوب عليه .
ثم المضطر باختياره ، أو الباغي والعادي أو المتجانف لإثم ، هؤلاء هم عصات في اقتراف المحرَّم المضطر فيه مهما كان واجباً ، فهو محظور تقصيراً ، ومحبور حفاظاً على الواجب حفظه من نفس وصحة أمَّاهيه .
والغفر الطليق يختص بغير المقصر ، وأما المقصر على دركاته فلا يغفر له حيث يعذَّب بتقصيره ، مهما عذب أيضاً إذاً لم يتناول المحرم حالة اضطراره ، وليس مورد الاضطرار بالاختيار وما أشبه من موارد ترجيح الأهم على المهم سلباً لحكم المهم ، أو تساوي الحكمين فتساقطهما ثم الحكم بإباحة الطرفين ، فإن حكم المهم يزول عند الاضطرار العاذر وفي سواه يبقى الحكم على حاله كالمضطر الباغي أو العادي أو المتجانف لإثم