وحين نمعن النظر لوجدنا أن سيادة الثّرىّ أو صاحب الجاه إنما تأتى نتيجة لمجهودات من يقال عنهم : إنهم أراذل .
ولو أنهم تخلّوا عن الثرى أو صاحب الجاه ، لما استطاع أن يكون سيدا .
ويذكر لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الملأ الكافر من قوم نوح :
. . وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
( 27 ) [ هود ]
وهم - بهذا القول - قد أنكروا أن سيادتكم إنما نشأت بجهد من قالوا عنهم إنهم أراذل ، وأنكروا فضل هؤلاء الناس .
ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى الآفة التي تنتاب بعض المجتمعات حين يذكر لنا ما قاله الكافرون :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ
« 1 »
عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . .
« 2 » ( 32 ) [ الزخرف ]
إذن : فالحق سبحانه هو الذي قسم المعيشة ، وآفة الحكم أن ننظر إلى المرفوع على أنه الغنى ، لا ، فليس المرفوع هو الغنى ، بل هو كل ذي موهبة ليست في سواه .
وما دام مرفوعا في مجال فهو سيخدم غيره فيه ، وغيره سيخدمونه فيما رفعوا فيه ؛ لأن المسألة أساسها التكامل .
هامش
( 1 ) المقصود بالقريتين : مكة والطائف . وقد اختلف العلماء في المقصود بالرجلين ، ذكر ابن كثير هذا الاختلاف ، ثم قال : « الظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان » تفسير ابن كثير ( 4 / 127 ) .
( 2 ) سخريا : أي : يسخّر بعضهم بعضا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا وهذا إلى هذا . قاله السدى وغيره . ( تفسير ابن كثير ( 4 / 127 ) ونقل ابن منظور في اللسان : « سخريّا : عبيدا وإماء وأجراء » .
راجعه على الأصل وخرّج أحاديثه صاحب الفضيلة الشيخ / محمد السنراوى المستشار بالأزهر والأستاذ / عادل أبو المعاطى .