ولو اقتصصت أنت ممن أساء إليك ، فقصاصك على قدر قوتك ، أما إن تركته إلى قدرة اللّه تعالى ، فهذا أصعب وأشق ؛ لأنك تركته إلى قوة القوى .
وهكذا ينال العافي عن المسىء مرتبة راقية ؛ لأنه جعل اللّه - سبحانه وتعالى - في جانبه .
وهناك من يقول : كيف يأمر الدين الناس بأن يحسنوا لمن أساء إليهم ؟
ويعلل ذلك بأنه أمر ضد النفس .
ونقول : إن الإحسان إلى المسىء هو مرحلة ارتقاء ، وليست تكليفا « 1 » أصيلا ؛ لأن الحق سبحانه قد أباح أن نرد العدوان بمثله ، ثم حثّ المؤمن على أن يكظم غيظه ، أو يرتقى إلى العفو وأن يصل إلى الإحسان ، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه وتعالى .
وانظر إلى نفسك - ولله المثل الأعلى ومنزّه سبحانه عن كل مثل - إن أردت أن تطبق الأمر على ذاتك حين تجد ولدا من أولادك قد اعتدى على أخيه ، فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع المعتدى عليه .
ومن يقول : كيف يكلّفنى الشرع بأن أحسن إلى من أساء إلىّ ؟
نقول له : تذكّر قول الحسن البصري رضى اللّه عنه « 2 » : « أفلا أحسن لمن جعل اللّه في جانبي » .
ولو طبّق العالم هذه القاعدة بيقين وإخلاص لصارت الحياة على الأرض جنة معجّلة ، التسامح ، قوامها القرب ، ومنهجها الحب .
هامش
( 1 ) لأن التكليف إلزام ، والعفو من الفضل ، وفي التعامل بالفضل ارتقاء .
( 2 ) هو : الحسن بن يسار البصري ، أبو سعيد ، تابعي ، كان إمام أهل البصرة ، وحبر الأمة في زمنه ، وهو أحد العلماء الفقهاء النساك . ولد بالمدينة 21 ه ، وشبّ في كنف علي بن أبي طالب ، كان يدخل على الولاة يأمرهم وينهاهم ، سكن البصرة وتوفى بها عام 110 ه عن 90 عاما .